
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
رقم واحد يكفي لفهم حجم ما يجري: طرح SpaceX العام مع الطروحات المرتقبة لـ OpenAI وAnthropic ستُولّد قيمة أكبر من مجموع كل خروجات رأس المال الجريء الأمريكية منذ عام 2000 — هذا ما خلص إليه تقرير Venture Monitor الصادر عن NVCA وPitchBook للربع الثاني من 2026، وهو استنتاج يبدو مبالغاً فيه حتى تجلس مع الأرقام.
دخلت SpaceX الأسواق العامة بتقييم بلغ 1.77 تريليون دولار (وفقاً لـ TechCrunch). ومع تحرّك Anthropic وOpenAI نحو عتبة التريليون، يرجّح أن يتخطى المجموع الكلي للثلاثة أربعة تريليونات دولار. ضع هذا في مقابل ما رصدته هيئة الأوراق المالية الأمريكية: 70 مليار دولار فقط في عائدات الطروحات الأمريكية خلال العام الماضي. الفجوة بين الرقمين تخبرك أن هذه ليست دورة طروحات عادية.
لفهم الحجم الحقيقي، يستحق الأمر مراجعة ما شهدته السنوات الخمس والعشرين الماضية. تلك الفترة احتضنت طرح Google عام 2004، وTesla عام 2010، وMeta عام 2012 — وهي اليوم من أكثر شركات العالم قيمةً. كما شهدت استحواذات ضخمة: LinkedIn وSlack وWhatsApp بأكثر من 20 مليار دولار لكل منها. وطرح Uber عام 2019 بقيمة 84 مليار دولار كان يبدو رقماً هائلاً حينها — لكنه لا يمثّل اليوم سوى أقل من 5% مما جمعته SpaceX وحدها (وفقاً لـ TechCrunch). ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا المقياس يعتمد على “القيمة المُولَّدة” لا السيولة النقدية الفعلية، ولا يشمل شركات غير أمريكية كـ Alibaba، كما أن كثيراً من أبرز التحولات التقنية في تلك الحقبة — من iPhone إلى Android إلى YouTube وInstagram — جرت داخل شركات كانت قد دخلت البورصة مسبقاً، فلا تظهر في أرقام الطروحات.
ثمة عاملان هيكليان يفسّران هذه القفزة في الحجم. الأول أن الشركات باتت تمكث في الأسواق الخاصة لفترات أطول بكثير؛ Google اليوم على الأرجح كانت ستؤخر طرحها وتدخل البورصة بتقييم أعلى بكثير مما حدث عام 2004. الثاني أن طبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه كثيفة رأس المال بشكل استثنائي؛ تدريب النماذج الكبرى يستهلك مليارات الدولارات قبل أن تُولَد أي إيرادات، مما دفع المختبرات إلى جولات تمويل متلاحقة ضخّت تقييمات تتراكم طبقة فوق طبقة.
النتيجة أن البنية التحتية المالية نفسها باتت تعمل عند حدودها القصوى. السوق لم يشهد طروحات بهذا الحجم من قبل، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة المستثمرين المؤسسيين على استيعاب هذا الكم من الأسهم في وقت متقارب، وحول ما إذا كانت التقييمات الحالية مرساةً في أرباح حقيقية أم في رهانات على مستقبل لا يزال في طور البناء. سيكون الاختبار الفعلي في الأشهر التي تلي هذه الطروحات، حين تواجه هذه الشركات للمرة الأولى انضباط السوق العام.







