تُحدَّث يومياً

مصدرُك العربي
لمستقبل الذكاء الاصطناعي

أخبار، تقارير، أدوات وتحليلات يومية — كل ما تحتاجه لمتابعة ثورة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية

✅ تم الاشتراك!
أخبار الذكاء الاصطناعي

أموندسن-سكوت: أغلى محطة على الأرض تحاكي الحياة في الفضاء

🎧 استمع للملخص

بينما ينطلق أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس الثانية عبر كبسولة أوريون بحجم 330 قدم مكعب، تحمل طعاماً لـ60 يوماً ومياه وأكسجين لـ90 يوماً، تثير مقارنة بسيطة سؤالاً مهماً: ماذا لو كانت هذه رحلة ألف يوم إلى المريخ؟

الجواب موجود على الأرض، في أقسى بيئة يمكن تخيلها. محطة أموندسن-سكوت في القطب الجنوبي ليست مجرد قاعدة بحثية، بل المحاكي الأرضي الأقرب لحياة الفضاء. تقع على بُعد 2400 ميل من أقرب مدينة – أبعد من محطة الفضاء الدولية التي تدور على علو 250 ميل فقط.

تكلفة البناء تحكي القصة: 150 مليار دولار لمحطة الفضاء، مقابل 150 مليون دولار فقط لأموندسن-سكوت. لكن الرقم الحقيقي يظهر في فاتورة التشغيل السنوية.

كل عام، سفينة شحن واحدة وناقلة وقود واحدة تبحران من بورت هوينيمي في كاليفورنيا عبر رحلة شهور، مروراً بنيوزيلندا، حتى الوصول إلى محطة مكمردو – الميناء الوحيد في القارة القطبية الجنوبية. هناك يفرغان 400 إلى 500 حاوية شحن إضافة إلى 6 ملايين غالون وقود. العملية تسمى “التجميد العميق” وتتطلب 1100 عسكري أمريكي لنقل 30 مليون رطل من البضائع و3700 شخص.

التحدي الحقيقي يبدأ بعدها. خلال الصيف القطبي القصير – أربعة أشهر من نوفمبر إلى مارس – يجب نقل كل شيء عبر 1000 ميل من الجليد المضغوط. طائرة LC-130 واحدة تقوم بالرحلة يومياً، وهي نسخة معدلة من طائرة هيركوليس C-130 مزودة بزلاجات و8 صواريخ مساعدة للإقلاع في الهواء البارد الرقيق.

حتى الوقود مخصص للمهمة. وقود AN-8 يتجمد عند -72 فهرنهايت، بينما الوقود النفاث العادي JP-8 يتجمد عند -52 فهرنهايت. في القطب الجنوبي، حيث تصل خزانات الوقود إلى -60 فهرنهايت، الفارق بين الحياة والموت.

بعد 80 رحلة جوية، المحطة تحتاج المزيد. هنا يأتي دور “رحلة القطب الجنوبي” – قافلة جرارات زراعية معدلة وجرارات كاتربيلار ضخمة تسير على طريق الثلج المضغوط. ثلاث رحلات سنوياً تنقل 300 ألف غالون وقود في خزانات بولي إيثيلين مسطحة، كل رحلة تحمل ما يعادل 33 رحلة جوية.

النتيجة المالية صادمة: غالون الوقود النفاث في أمريكا يكلف 4 دولارات، في القطب الجنوبي يكلف 40 دولاراً. فاتورة الوقود لشتاء واحد: 18 مليون دولار.

محطة الطاقة مصممة لتحمل الكارثة. قدرة 1 ميجاوات، متوسط إنتاج 600 كيلووات، ودرجة حرارة خارجية متوسطة -56.2 فهرنهايت. ثلاثة مولدات احتياطية بقدرة 750 كيلووات لكل منها، و”قارب النجاة” – محطة طوارئ بمولدين 250 كيلووات يمكنهما السحب من خزان منفصل سعته 68 ألف غالون.

لماذا الديزل؟ الطاقة الحرارية الجوفية مستحيلة فوق ميلين من الجليد. الطاقة الشمسية عديمة الفائدة في ستة أشهر ظلام تام، وحتى في الذروة الشمس لا ترتفع فوق 25 درجة. الطاقة النووية؟ جُربت في مكمردو خلال الستينيات: 438 عطل في عشر سنوات وتلوث إشعاعي تطلب تنظيفاً ضخماً.

حتى الماء يتطلب هندسة معقدة. نظام “رودويل” – اختراع راؤول رودريجيز عام 1963 – يحفر حفرة في الثلج ويضخ الماء الساخن باستمرار لإنشاء بحيرة جوفية. كل غالون ماء يحتاج 620 وات-ساعة كهرباء للضخ والتسخين والمعالجة – ما يكفي لشحن حاسوبك المحمول أسبوعاً كاملاً. لذلك كل باحث يحصل على دشين أسبوعياً، كل منهما دقيقتان فقط.

هذه الأرقام ليست مجرد فضول علمي. مع توجه البشرية للفضاء، القطب الجنوبي هو المختبر الأرضي الوحيد للحياة في بيئات معزولة تماماً. كل دولار مدفوع في الوقود وكل وات-ساعة مستهلك في إذابة الثلج يعلمنا درساً حول حقائق الاستكشاف البشري.

المفارقة أن اتصال الإنترنت في محطة الفضاء الدولية أفضل منه في القطب الجنوبي. لكن كلاهما يواجه نفس التحدي الأساسي: كيف تبقي البشر أحياء وعاقلين في مكان لا يُقصد للحياة البشرية؟ الجواب مكلف، معقد، ومليء بالمخاطر – تماماً كما سيكون في المريخ.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى