
كشفت أكبر دراسة ميدانية حتى الآن عن أداء التسوق عبر الذكاء الاصطناعي أن المتسوقين القادمين من ChatGPT ينفقون أموالاً أقل لكل زيارة من أي قناة تسويق رقمية أخرى، باستثناء الإعلانات المدفوعة على وسائل التواصل الاجتماعي. الدراسة شملت 164,875,690 عملية شراء عبر 973 موقع تجارة إلكترونية في 49 دولة بقيمة إجمالية 20 مليار دولار، من أغسطس 2024 حتى يوليو 2025.
أجرى فريق من جامعة هامبورغ وكلية فرانكفورت للإدارة والتمويل تحليلاً مقارناً للأداء التجاري عبر 24 فئة منتجات، من الأزياء والهندسة إلى البستنة ومستحضرات التجميل. النتائج تتحدى الضجيج المحيط بـ”ثورة التسوق بالذكاء الاصطناعي” وتقدم صورة أكثر واقعية لمستقبل هذه التقنية في التجارة الإلكترونية.
البيانات الصادمة تظهر أن الزوار القادمين من أدوات الذكاء الاصطناعي يشكلون فقط 0.2% من إجمالي حركة المرور عبر الويب، رغم الاستثمارات الضخمة في تحسين المحتوى لمحركات التوليد (GEO). هذه النسبة الضئيلة تثير تساؤلات جدية حول جدوى التركيز المكثف على استراتيجيات الظهور في إجابات ChatGPT وBard، خاصة بالنسبة للشركات الناشئة في المنطقة العربية التي تملك موارد محدودة.
- إيراد أقل لكل جلسة: زوار ChatGPT حققوا أدنى إنفاق متوسط مقارنة بالبحث العضوي (Google)، التسويق بالعمولة، والبريد الإلكتروني، متفوقين فقط على الإعلانات المدفوعة في TikTok وFacebook.
- معدلات تحويل منخفضة: نسبة التحويل من الذكاء الاصطناعي أقل بـ11.5% من البحث العضوي وأقل بـ46.2% من التسويق بالعمولة، مع احتمالية أقل بـ16.7% للمغادرة الفورية.
- هيمنة ChatGPT: معظم الحركة القادمة من الذكاء الاصطناعي تأتي من ChatGPT تحديداً، مع حصة ضئيلة جداً لـClaude وBard.
- تحسن التحويل مع انخفاض القيمة: بينما تتحسن معدلات التحويل تدريجياً بمرور الوقت، ينخفض متوسط قيمة الطلبات، مما يشير إلى تغير نوعية المشتريات.
- تفوق واضح في المنتجات المعقدة: مواقع المنتجات المعقدة (الرعاية الصحية، المركبات) حصلت على حصة أعلى بـ4.6 مرة من مواقع المنتجات البسيطة (القرطاسية).
- اتجاه الشباب والتقنيين: المواقع ذات الزوار الأصغر سناً حققت حركة ذكاء اصطناعي أعلى بـ5.5 مرة، والمواقع التقنية بـ3.8 مرة.
التفسير العلمي للأداء الضعيف يكمن في طبيعة رحلة التسوق المعقدة عبر الذكاء الاصطناعي: كتابة استفسار مفصل، قراءة وتحليل الإجابة الطويلة، اختيار الرابط المناسب، ثم التنقل في موقع جديد تماماً. هذا “الاحتكاك المعرفي” يجعل المتسوقين أكثر انتقائية وأقل استعداداً للإنفاق التلقائي، عكس زوار Google الذين يصلون بنية شراء أوضح.
للمطورين ورواد الأعمال في السعودية والإمارات ومصر، هذه النتائج تعيد تشكيل أولويات الاستثمار التسويقي. إذا كان منتجك معقداً – مثل الحلول البرمجية المؤسسية أو الاستشارات التقنية المتخصصة – فالاستثمار في استراتيجيات GEO منطقي ومبرر. لكن إذا كنت تدير متجراً للأزياء أو المنتجات الاستهلاكية البسيطة، فالتركيز على البحث العضوي التقليدي والتسويق بالمحتوى عبر Instagram وTikTok سيحقق عائداً أفضل.
تجربة Emma Sleep، العلامة التجارية للمراتب، تقدم نموذجاً عملياً للتحسين الذكي. كونها منتج يتطلب بحثاً مكثفاً ومقارنات معقدة، تستفيد Emma من إضافة مقارنات نصية مفصلة مع المنافسين وقسم أسئلة وأجوبة شامل، مما يزيد احتمالية ظهورها في إجابات ChatGPT ويحسن معدلات التحويل.
لكن الدراسة تحمل قيوداً مهمة يجب فهمها. البيانات تركز على الحركة “العضوية” من أدوات الذكاء الاصطناعي ولا تشمل الإعلانات المدفوعة داخل ChatGPT أو الخدمات المدمجة في Bing. أيضاً، استخدام نموذج “النقرة الأخيرة” للقياس قد يقلل من التأثير الحقيقي، إذ قد يبدأ المستخدم رحلته في ChatGPT للبحث والمقارنة، ثم يعود لاحقاً عبر Google للشراء الفعلي.
الأهم من ذلك، قياس الإيرادات المباشرة فقط يتجاهل تأثير الذكاء الاصطناعي في رفع الوعي بالعلامة التجارية والثقة بالمنتج. عندما يذكر ChatGPT منتجك كأحد أفضل الخيارات في فئته، هذا يبني مصداقية تترجم لمبيعات طويلة المدى، حتى لو لم تحدث الشراء الفوري من نفس الجلسة.
النظرة الاستراتيجية الصحيحة تعامل الذكاء الاصطناعي كجزء من “القمع الأوسط” في رحلة العميل – مرحلة البحث والمقارنة والتقييم، وليس نقطة البيع النهائية. هذا يتطلب مقاربة مختلفة في قياس النجاح والاستثمار في المحتوى التعليمي والمقارن، بدلاً من التركيز على الإقناع المباشر والعروض الترويجية.
الخلاصة الاستراتيجية واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس البديل السحري لقنوات التسويق التقليدية، لكنه أداة متخصصة تتفوق في سياقات محددة. النمو التدريجي في الاستخدام بين الشباب والمتخصصين التقنيين يشير إلى إمكانية مستقبلية واعدة، لكن اللحظة الحالية تتطلب توقعات واقعية واستثمارات محسوبة وفقاً لطبيعة المنتج والجمهور المستهدف.




