
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
من بين كل مئة سلسلة توريد للذكاء الاصطناعي تبدأ بترخيص يفرض التزامات قانونية، لا تصل إلى التطبيق النهائي إلا سبع منها في أفضل الأحوال — هذا ما كشفته دراسة جديدة نشرها باحثون في arXiv بتاريخ 22 يوليو 2026. الورقة البحثية التي أعدّها جيمس جيويت وهاو لي وغوبي كريشنان راجباهادور وبرام آدامز وأحمد حسن تضع أمامنا صورة مقلقة: التراخيص التي تُفترض حمايتها للبيانات والنماذج تُستبدل أو تُحذف كلياً أثناء انتقال المكوّنات من منصة إلى أخرى، في ظاهرة سمّاها الباحثون “غسيل التراخيص”.
تتبّع الفريق 232,270 سلسلة تربط مجموعات بيانات ونماذج مستضافة على Hugging Face بتطبيقات منشورة على GitHub (وفقاً للدراسة). المنهجية قائمة على رصد ما يحدث للترخيص عند كل حلقة في السلسلة: هل يُنقل كما هو؟ هل يُحذف؟ هل يُستبدل بترخيص مختلف الفئة؟ والنتيجة كاشفة لآلية عمل سوق نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم.
الدراسة ترصد شكلين من غسيل التراخيص: الأول هو “الاكتساب اللاحق”، حين يبدأ مكوّن بلا ترخيص معلن ثم يكتسب ترخيصاً محدداً في مرحلة أدنى من السلسلة دون وجود تفويض قانوني بذلك. الثاني هو “الاستبدال”، حين يُحلّ ترخيص فئة مقيّدة محلّ ترخيص آخر مختلف الطبيعة أثناء إعادة التوزيع، وكأن التزامات المرخّص الأصلي لم تكن موجودة أبداً.
الأرقام التفصيلية تُحكم القضية: 62.3% من السلاسل المدروسة تمرّ عبر قطعة واحدة على الأقل لا ترخيص معلناً لها (وفقاً للدراسة)، وهذه الثغرة متمركزة في مجموعات بيانات أساسية محدودة العدد تُستخدم بكثافة عبر مئات النماذج. الأخطر من ذلك هو ما يحدث للتراخيص التي تفرض التزامات فعلية — كتراخيص الاستخدام المشروط أو التراخيص التجارية ذات القيود — إذ تنخفض نسبة نجاتها عبر السلسلة الكاملة إلى ما دون 7% لكل فئة منها (وفقاً للدراسة). في المقابل، تصل نسبة نجاة التراخيص التساهلية (Permissive) إلى 95.1%، مما يعني أن هذه الفئة هي الوحيدة التي يحافظ النظام على نزاهتها عبر كامل السلسلة.
الاستنتاج الذي يخرج به الباحثون ليس مجرد نقد لمنصة بعينها، بل توصيف لخلل بنيوي: المنظومة الحالية لا تملك آلية تقنية أو تشغيلية فعّالة لتتبع الالتزامات المرفقة بكل مكوّن عبر مراحل السلسلة. وتركيز الثغرة في مجموعات بيانات أساسية — يُبنى عليها عدد ضخم من النماذج — يعني أن الخطر ليس موزعاً بالتساوي، بل مركّز في نقاط محدودة قابلة للمعالجة نظرياً، غير أن أحداً لم يُعالجها بعد.
من وجهة نظر المطوّرين والشركات التي تبني منتجات فوق نماذج مفتوحة المصدر، تُقلب هذه النتائج افتراضاً شائعاً رأساً على عقب: وجود ترخيص على صفحة النموذج في Hugging Face لا يعني بالضرورة أن هذا الترخيص صحيح أو أن المكوّنات التي يقوم عليها النموذج تسمح فعلاً بهذا الاستخدام. الفجوة بين “الملصق المعلّق” والواقع القانوني واسعة، وقد تكون مكلفة.
يقدّم الباحثون في ختام ورقتهم جملة توصيات موجّهة لأطراف متعددة: المطوّرون والممارسون مطالَبون بعدم الاكتفاء بترخيص الأداة النهائية والتحقق من سلسلة المكوّنات كاملة. ناشرو النماذج بحاجة إلى توثيق مصادر التدريب وتراخيصها بشكل صريح. أصحاب الحقوق يحتاجون إلى آليات مراقبة نشطة بدلاً من الاعتماد على الامتثال التلقائي للمنصات. أما المنصات نفسها — Hugging Face وGitHub وما شابههما — فتقع عليها مسؤولية بناء أدوات تتبع وإلزام تقني يجعل الإفصاح عن التراخيص شرطاً وليس خياراً.
في سياق تتصاعد فيه النقاشات حول حقوق الملكية الفكرية في بيانات التدريب — وقد رصدنا سابقاً كيف أن ثغرات في منظومة Hugging Face يمكن أن تُفتح أبواباً غير متوقعة — تأتي هذه الدراسة لتضيف طبقة قانونية إلى ما كان حتى الأمس مجرد قلق تقني. السؤال الذي لم تُجب عنه الورقة بشكل مباشر هو: من يتحمّل المسؤولية القانونية حين يكتشف مستخدم نهائي أن الترخيص الذي بنى عليه منتجه كان وهماً؟







