
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
يتصارع اثنان من أقوى الشخصيات في عالم التقنية أمام محكمة كاليفورنيا، في قضية تتجاوز النزاع الشخصي إلى إعادة تعريف مستقبل صناعة الذكاء الاصطناعي بالكامل. إيلون ماسك يتهم شريكه السابق في تأسيس OpenAI، سام ألتمان، بخداعه وخيانة الرسالة الأصلية للشركة التي كان من المفترض أن تطور ذكاءً اصطناعياً يخدم البشرية، لا الأرباح.
المطالب التي قدمها ماسك في دعواه القضائية عام 2024 تكشف عن حجم الصراع: إزالة ألتمان وجريج بروكمان من مناصبهما، وقف عمل OpenAI كمؤسسة نفع عام، ومطالبة بتعويضات قد تصل إلى 150 مليار دولار (وفقاً لـ The Verge). من جهتها، ترد OpenAI بأن هذه الدعوى “محاولة حاقدة وغير مؤسسة لعرقلة منافس” تهدف إلى تعزيز شركات ماسك المنافسة مثل xAI وروبوت الدردشة Grok.
شهادة ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت كشفت النقاب عن التفاصيل المالية المثيرة لشراكة عملاقة التقنية مع OpenAI. حتى سبتمبر 2025، حققت مايكروسوفت 9.5 مليار دولار من إيرادات هذه الشراكة، مقابل استثمار 13 مليار دولار بالإضافة إلى خدمات Azure السحابية. (وفقاً لـ The Verge)
لكن الجانب الأكثر إثارة من شهادة ناديلا تمحور حول أزمة إقالة ألتمان في نوفمبر 2023، حين أعلن بثقة: “لن ينهار كل شيء” في إشارة إلى استعداد مايكروسوفت لاستيعاب فريق OpenAI بالكامل. وفي عبارته الشهيرة “تحتهم، فوقهم، حولهم”، وصف ناديلا كيف تحيط مايكروسوفت بـ OpenAI من كل الجهات: “تحتهم” تعني الحوسبة السحابية، “حولهم” تعني واجهات البرمجة، و”فوقهم” تعني منتجات مثل Copilot.
رسائل البريد الإلكتروني التي عُرضت أمام المحكمة فضحت مخاوف مايكروسوفت الحقيقية من فقدان شريكها الاستراتيجي. في أحد هذه الرسائل من يناير 2018، كُشف أن صفقة 2016 التي منحت OpenAI خدمات Azure بقيمة 60 مليون دولار مقابل 10 ملايين دولار فقط كانت متوقعة أن تحقق خسارة قدرها 15 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، لكن OpenAI استنزفت كامل الاعتمادات في نصف هذه المدة. (وفقاً لـ The Verge)
التفاصيل الأكثر إثارة جاءت من شهادة ميرا موراتي الرئيسة التقنية السابقة لـ OpenAI عبر تسجيل مصور. موراتي كشفت أن إقالة ألتمان لم تكن قراراً عشوائياً، بل نتيجة “نمط من الكذب أو إخفاء المعلومات” شمل إخفاء تفاصيل حول عمليات السلامة، وحصته في صندوق الاستثمار التابع لـ OpenAI، بل وحتى إطلاق أدوات مثل ChatGPT دون إبلاغ مجلس الإدارة مسبقاً.
أما شيفون زيليس عضوة مجلس إدارة OpenAI السابقة والتي لديها أربعة أطفال من ماسك، فقدمت شهادة أخرى يوم الأربعاء كشفت عن تعقيدات العلاقات الشخصية والمهنية في قلب هذا النزاع. كما شهد جاريد بيرشال مدير الشؤون المالية لماسك ورئيس Neuralink، بينما من المقرر أن يشهد إيليا سوتسكيفر المؤسس المشارك والعالم الرئيسي السابق في OpenAI.
خلال استجواب محامي ماسك ستيفن مولو لناديلا، برز تبادل محتدم حول رسالة إلكترونية من 2022 كتب فيها الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت: “لا أريد أن نكون IBM وأن تكون OpenAI مايكروسوفت.” ناديلا أوضح أن قلقه تركز على ضمان استفادة مايكروسوفت من حقوق الملكية الفكرية، مشيراً إلى كيف تجاوزت مايكروسوفت IBM تاريخياً، لكن مولو ضغط عليه حول عوائد الاستثمار المتوقعة البالغة أكثر من 92 مليار دولار.
القاضية إيفون غونزاليس روجرز أظهرت انزعاجها من تعامل فريق ماسك مع الأدلة، خاصة حول إعادة هيكلة رأسمال OpenAI في 2025 ورفع سقف الأرباح. وصفت الوضع بـ”الوحل” وانتقدت محامي ماسك لعدم التركيز على هذه النقطة رغم كونها جوهر ادعاءات “الخرق” التي يتهم بها ماسك OpenAI.
النزاع لا يقتصر على الأموال أو المناصب، بل يمس قلب فلسفة تطوير الذكاء الاصطناعي. هل يمكن لشركة تأسست لخدمة البشرية أن تتحول إلى كيان ربحي دون خيانة رسالتها؟ وما هي حدود التحالفات بين عمالقة التقنية وشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة؟ عندما يطالب أحد مؤسسي شركة بـ150 مليار دولار كتعويضات من شركته السابقة، فإن هذا يشير إلى أن ما يجري في تلك المحكمة سيعيد تشكيل صناعة تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، وقد يحدد كيفية تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي للعقود القادمة.






