
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
Anthropic“>اعتباراً من 2 أغسطس 2025، لن يصدر من نماذج كلود أي نص أو ملف دون أثر مضمّن غير مرئي للعين البشرية. Anthropic أعلنت أن جميع النماذج المُطلقة من هذا التاريخ فصاعداً ستحمل علامات مائية مضمّنة في النصوص والملفات، وذلك بصرف النظر عن المنتج أو المنصة التي تأتي منها — سواء API أو Claude.ai أو Claude Code أو Claude Cowork أو Claude Tag.
الدافع المُعلَن هو الامتثال لـميثاق الممارسة الأوروبي لشفافية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، الذي يُلزم الشركات بإبلاغ المستخدمين متى يتفاعلون مع ذكاء اصطناعي، وبتضمين علامات في المحتوى الناتج عنه، فضلاً عن الإفصاح عن أدوات التزييف العميق والتعرف على المشاعر والتصنيف البيومتري. غير أن Anthropic لم تقتصر على سوق الاتحاد الأوروبي؛ قررت تطبيق النظام عالمياً.
الآلية التقنية مثيرة للاهتمام: في النصوص، تُدمج العلامات المائية إشارات داخل الأحرف والكلمات — كالمسافات بين الكلمات والأرقام، وتسلسل الجمل، وتشكيلات غير مرئية أخرى — تنجو حتى من عمليات النسخ واللصق في محررات نصية عادية كـ Notepad على ويندوز أو TextEdit على macOS. أما الملفات المرئية من نوع .svg و.png و.jpg، فتحمل بيانات Provenance موقّعة تشمل: مصدر الصورة، وهوية المُنشئ، وما إذا كانت قد عُدّلت. الذكاء هنا في التحقق العكسي: إذا حاول أحدهم التلاعب بالبيانات لإخفاء أصلها، ينكسر التوقيع التشفيري فيُشير تلقائياً إلى وجود تلاعب. الآلات ترى هذه الإشارات، البشر لا يرونها.
والتوجه ليس حكراً على Anthropic؛ Substack تعاونت مع Pangram لإخبار القراء بمقدار المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي في أي منشور، وSuno أجرت تعديلات مماثلة في مسار التعرف على الموسيقى المُولَّدة آلياً، وLinkedIn أتاحت للمستخدمين الإبلاغ عمّا يشتبهون فيه من محتوى ذكاء اصطناعي، وSpotify أطلقت ميزة “AI Persona” لتمييز الموسيقى المُنتجة بمساعدة الخوارزميات. المصنّعون يبنون نظاماً موازياً من التسميات والتوقيعات عبر المنصات.
لكن Anthropic نفسها وضعت تحفظات صريحة تستحق التأمل. العلامة المائية لا تعني بالضرورة أن المحتوى صادر بالكامل من كلود، وغيابها لا يعني العكس. تخيّل أن شخصاً أدخل مقالاً بشرياً في كلود وطلب منه إعادة صياغته — الناتج سيحمل العلامة، رغم أن الحقائق والأفكار كلها من كاتب بشري. وتستشهد الشركة بأن استخدامات شائعة كالتدقيق اللغوي والترجمة والتلخيص ستُفضي إلى علامات على محتوى لم يُنتجه الذكاء الاصطناعي أصلاً. أضف إلى ذلك أن أي محتوى خضع لـ”تحرير مكثف أو إعادة صياغة أو ترجمة أو دمج مع نصوص أخرى” قد لا يحمل العلامة أصلاً. والصور المُعاد حفظها كلقطة شاشة تفقد بيانات الـProvenance كلياً.
هنا تكمن الإشكالية الحقيقية. نظام العلامات المائية يُنشئ إيهاماً بالشفافية أكثر مما يُرسّخها فعلياً. علامة موجودة لا تعني “محتوى آلي بالكامل”، وعلامة غائبة لا تعني “محتوى بشري نقي”. المستخدم العادي — سواء كان صحفياً يتحقق من مصدر وثيقة، أو محاماً يراجع عقداً، أو أستاذاً يقيّم ورقة طالب — سيقع في فخ ثنائية كاذبة يفترض فيها أن الأداة تحكم حكماً قاطعاً. والأبحاث تُشير إلى أن أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي أبدت أداءً متدنياً بشكل لافت، لا سيما مع غير الناطقين بالإنجليزية أصالةً، الذين تُصنَّف كتاباتهم ظلماً على أنها آلية.
لم تُفصح Anthropic حتى الآن عن آلية الكشف عن هذه العلامات؛ وعدت بمشاركة التفاصيل لاحقاً دون تحديد موعد. وهذا فراغ جوهري: النظام بلا أداة كشف متاحة يعمل في اتجاه واحد فقط، ويبقى الحكم حكراً على أطراف لم تُحدَّد بعد. في المحصلة، الفكرة صحيحة في مبدئها — شفافية الذكاء الاصطناعي ضرورة لا ترف — لكن تطبيقها يمشي على أرض هشّة ما لم تُعالَج الثغرات التقنية والإدراكية بالقدر ذاته من الجدية التي أُعلن بها.







