
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
لم يحتج كلود Mythos Preview من Anthropic سوى 60 ساعة و100,000 دولار في تكاليف API ليُنهي ما عجز عنه خبراء التشفير طوال عامين كاملين: إيجاد نقطة ضعف حقيقية في خوارزمية HAWK المرشّحة لتأمين الاتصالات في عصر الحواسيب الكمومية (وفقاً لـ The Batch).
القصة تبدأ من معهد NIST الأمريكي للمعايير والتقنية، الذي يدير منذ سنوات منافسةً مفتوحة لاختيار خوارزميات تشفير قادرة على مقاومة هجمات الحواسيب الكمومية المستقبلية. HAWK كانت مرشّحة جدية في هذه المنافسة، نجت من جولتين كاملتين من المراجعة المكثّفة على يد متخصصين في علم التشفير حول العالم. ثم جاء كلود.
الهجوم الذي أنتجه النموذج على إصدار HAWK-512 خفّض التكلفة التقديرية لسرقة المفتاح السري من 2^150 إلى 2^108 على الأكثر — وهو فارق يعادل أضعافاً بالتريليونات (وفقاً لـ The Batch). الرقمان لا يزالان خارج نطاق الأجهزة الحالية بالكامل، لكن المشكلة أن الرقم الجديد يقع دون مستوى الأمان الذي ادّعى مصمّمو HAWK تحقيقه. المعيار ليس “هل يمكن كسرها اليوم؟” — المعيار هو “هل هي بالمستوى الذي وعدنا به؟”. والجواب كان لا.
في 28 يوليو، نشر الباحث في Anthropic ستيفن ويس الهجوم على منتدى pqc-forum المتخصص في التشفير ما بعد الكمومي. في الصباح التالي مباشرةً، كتب المصمم الرئيسي للخوارزمية ليو دوكاس أن أي إصلاح مباشر للثغرة سيجعل HAWK غير قادرة على المنافسة، وأعلن انسحابها رسمياً. الجدير بالذكر أن ثلاثة هجمات مستقلة على HAWK وصلت إلى القائمة البريدية ذاتها في غضون أيام: هجوم أنتجه OpenAI Codex بيد هنغيي لو، وهجوم آخر من باحثين أكاديميين استعانوا بمساعدة نماذج لغوية. غير أن إشعار الانسحاب الذي كتبه دوكاس يستشهد تحديداً بهجوم Anthropic باعتباره العامل الحاسم.
أعلنت Anthropic أيضاً أن كلود Mythos Preview شنّ هجوماً ثانياً على AES، لكن السياق هنا مختلف جوهرياً: الهجوم يستهدف نسخة مضعّفة متعمّداً تستخدم سبع جولات بدلاً من العشر جولات المعتمدة في AES-128 المستخدم فعلياً. هذه النسخة المخفّفة هي حقل تدريب تقليدي يستخدمه الباحثون لاختبار تقنياتهم — ولم يُدّعَ يوماً أنها آمنة. بمعنى آخر، AES العملي لم يُمَس.
متخصص التشفير في جامعة جونز هوبكنز ماثيو غرين وصف هجوم HAWK بأنه “مهم”، مع ملاحظة بالغة الدلالة: كلود لم يخترع رياضيات جديدة، بل جمع أدوات موجودة بطريقة لم يفكّر فيها أحد من قبل. ما يعني أن الثغرة كانت قابلة للاكتشاف طوال الوقت — والسؤال الذي يطرحه هذا المشهد بحدّة: كم من الثغرات المشابهة تختبئ في خوارزميات أخرى لم يمرّ عليها نموذج لغوي بعد؟
هذا النوع من الاكتشافات يضع المجتمع الأمني أمام معادلة غير مريحة. من جهة، الذكاء الاصطناعي يُسرّع البحث الأمني بشكل لافت — ما استغرق عامين من المراجعة البشرية، وجده كلود في 60 ساعة. ومن جهة أخرى، الأداة ذاتها متاحة لأي شخص، بما فيهم من لا يقصدون الإفصاح المسؤول. Anthropic أفصحت بشكل سليم، وكلود لا يزال في إصدار مقيّد — لكن هذا النموذج من الحوكمة الاختيارية لن يكون كافياً إذا أصبحت نماذج مماثلة مفتوحة الأوزان شائعة.
الدرس الأوضح من هذه الحادثة ليس في قدرة كلود وحدها، بل في ما كشفه عن حدود المراجعة البشرية. خبراء التشفير الذين درسوا HAWK لم يُقصّروا — لكن مساحة البحث شاسعة جداً لدرجة أن الأنماط الدقيقة التي تجمعها نماذج اللغة من بيانات ضخمة قد تُكمل ما تغفله المراجعة التقليدية. السؤال الآن: هل ستُصبح المراجعة بالذكاء الاصطناعي شرطاً معيارياً قبل اعتماد أي خوارزمية تشفير جديدة؟







