
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
لأول مرة في تاريخ الأدب الحديث، تواجه جائزة أدبية مرموقة اتهامات جماعية بفوز قصص مكتوبة بالذكاء الاصطناعي. ثلاثة من أصل خمسة فائزين بجائزة الكومنولث للقصة القصيرة 2026 متهمون بخداع لجنة التحكيم باستخدام نماذج اللغة التوليدية، في فضيحة تكشف هشاشة آليات الحماية في عالم النشر.
بدأت القضية عندما نشرت مجلة Granta البريطانية المرموقة القصص الفائزة في 12 مايو. خلال أيام، أثارت قصة “The Serpent in the Grove” لجمير نذير من ترينيداد وتوباغو، الفائزة بالمركز الإقليمي للكاريبي وجائزة 2500 جنيه استرليني (وفقاً لـ WIRED)، شكوكاً واسعة.
نبيل قريشي، الباحث السابق في الذكاء الاصطناعي بجامعة جورج ميسون، كتب على منصة X: “هذه هي المرة الأولى: قصة مولدة بـ ChatGPT تفوز بجائزة أدبية مرموقة. جمل ‘ليس X، ليس Y، بل Z’ في كل مكان، استعارة ‘الهمهمة’، وعلامات واضحة أخرى للكتابة بالذكاء الاصطناعي.”
القصة تبدأ بالجملة المثيرة للشك: “يقولون أن البستان لا يزال يهمهم عند الظهيرة”، متبوعة بالسطر الذي أثار انتباه قريشي: “ليس صناعة النحل المرتبة أو كشط المنجل النظيف على الكرمة، بل صوت البطن—كما لو أن الأرض تبتلع صرخة وتحتجزها هناك.”
عندما تفحص المجتمع الأدبي القصة عن كثب، وصف العديد من النقاد لغتها واستعاراتها بأنها عديمة المعنى، متسائلين كيف رأت لجنة التحكيم أي قيمة فيها. الأدلة التقنية جاءت حاسمة: أداة Pangram للكشف عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي صنفت القصة كمولدة بنسبة 100%، وهي نتيجة أكدتها WIRED بشكل مستقل.
الكارثة لم تتوقف عند نذير. فحص إضافي كشف أن قصة “The Bastion’s Shadow” للكاتب المالطي جون إدوارد ديميكولي، الفائز عن منطقة كندا وأوروبا، أيضاً مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي وفقاً لـ Pangram. أما قصة “Mehendi Nights” للكاتبة الهندية شارون أروبارايل، الفائزة عن آسيا، فقد صنفت كـمساعدة جزئياً بالذكاء الاصطناعي.
من جهتها، أنتجت قصتا الكاتبتين هولي آن ميلر من نيوزيلندا وليزا-آن جوليان من جنوب إفريقيا نتائج “مكتوبة بالكامل من قبل البشر” في اختبارات Pangram.
رد مؤسسة الكومنولث جاء دفاعياً ومتهرباً. رازمي فاروق، المديرة العامة للمؤسسة، كتبت في بيان: “نحن ندرك الادعاءات والنقاش حول الذكاء الاصطناعي التوليدي وجائزة القصة القصيرة. نأخذ هذه الادعاءات على محمل الجد ونلتزم بالرد عليها بعناية وشفافية.”
لكن فاروق برررت عدم استخدام أدوات الكشف عن الذكاء الاصطناعي بحجة أن “توفير أعمال أصلية غير منشورة لأداة فحص الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف كبيرة حول الموافقة والملكية الفنية.” موقف المؤسسة يعتمد على “مبدأ الثقة” مع الكتاب، رغم اعتراف جميع المرشحين المتهمين بأنهم لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي.
الأمر الأكثر إثارة للقلق أن شارما تيلور، الكاتبة الجامايكية وعضو لجنة التحكيم هذا العام، متهمة بكتابة التعليق التوضيحي المرافق لقصة “The Serpent in the Grove” باستخدام الذكاء الاصطناعي. Pangram قيّم نص تيلور كـ”مساعد بالذكاء الاصطناعي”، مما يضع علامات استفهام حول نزاهة العملية التحكيمية برمتها.
هذه الفضيحة ليست حادثة منعزلة، بل جزء من موجة أوسع تجتاح عالم النشر والأكاديميا. ستيفن روزنباوم اعترف هذا الأسبوع أن كتابه الجديد “The Future of Truth”، الذي يتناول طبيعة الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي، يحتوي على اقتباسات مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي. الروائية البولندية الحائزة على نوبل أولغا توكارتشوك أثارت غضب معجبيها بإقرارها أن نماذج اللغة الكبيرة أصبحت جزءاً من عمليتها الإبداعية.
منصة arXiv للمقالات العلمية أعلنت الأسبوع الماضي عن فرض حظر لمدة عام على المؤلفين الذين يفشلون في اكتشاف المحتوى الخاطئ المبني على الذكاء الاصطناعي في أعمالهم، بما في ذلك الاستشهادات المرجعية. حتى أن أحد الأكاديميين ادعى أن هذا المطلب “غير قابل للتحقيق”، مما يكشف عمق الأزمة التي تواجه المؤسسات العلمية.
قواعد جائزة الكومنولث 2026 لا تذكر الذكاء الاصطناعي صراحة، تكتفي بالقول أن الأعمال يجب أن تكون “أصلية” و”من عمل المشارك.” هذه الصيغة الغامضة عفا عليها الزمن في عصر يمكن فيه لأي شخص إنتاج نص أدبي معقول خلال دقائق.
سيجريد راوزنغ، ناشرة Granta، أقرت بالمعضلة في بيانها: “قد يكون القضاة قد منحوا جائزة لحالة انتحال بالذكاء الاصطناعي—لا نعرف بعد، وربما لن نعرف أبداً.” اختبار Granta للقصة باستخدام وكيل Claude من Anthropic لم يحسم الأمر.
رغم اعتراف راوزنغ بعدم موثوقية أدوات الكشف عن الذكاء الاصطناعي بنسبة 100%، فإن Pangram تعتبر الأداة الأكثر دقة في المجال مع معدل شبه صفري من النتائج الإيجابية الخاطئة وفقاً للتحليلات المستقلة.
إن موقف مؤسسة الكومنولث من الاعتماد على “الثقة” وحدها يكشف عن فشل جوهري في فهم التحدي الحقيقي. عندما يصبح ثلاثة من خمسة فائزين متهمين بالغش، فإن المشكلة ليست في أدوات الكشف “غير المثالية”، بل في عجز المؤسسات الأدبية عن مواجهة واقع جديد حيث لم تعد قدرتنا على التمييز بين الكتابة الإنسانية والاصطناعية مضمونة.
الحل لا يكمن في إنكار المشكلة أو الاختباء خلف مخاوف “الموافقة والملكية الفنية”، بل في وضع آليات شفافة وفعالة لضمان النزاهة. المجتمع الأدبي يحتاج إلى قواعد واضحة تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في المسابقات، وأنظمة فحص متطورة، وعقوبات رادعة للمخالفين.






