
بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري
قبل أن تصل واشنطن إلى قرار بشأن النماذج الصينية، أطلقت كبرى شركات الذكاء الاصطناعي مبادرة مضادة: رسالة مفتوحة تحذّر من أن أي قيد واسع على النماذج مفتوحة الأوزان سيضرب المنظومة بأكملها، لا الصين وحدها. وقّعت عليها Hugging Face وMeta وMicrosoft وMistral وNvidia، إلى جانب شركات أصغر مثل Replit، وجاءت بينما تدرس إدارة ترامب حظر النماذج الصينية مفتوحة المصدر، بل والتوسع نحو فرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية ذاتها.
المحرّك المباشر للأزمة هو اتهام البيت الأبيض لشركة Moonshot AI بسرقة نموذج Fable التابع لـ Anthropic عبر تقنية الـ distillation، وذلك لتدريب نموذجها Kimi K3 الذي حقق نتائج لافتة بكل المقاييس. الرسالة المفتوحة لا تذكر الصين بالاسم، لكنها تضع خطاً فاصلاً دقيقاً: الـ distillation ليست سرقة، بل هي تقنية تطوير نماذج مشروعة وراسخة. أما الاستخراج غير المشروع لبيانات النماذج المغلقة، فهو مسألة مختلفة يجب معالجتها بأطر قانونية وتجارية مستهدفة، لا بحظر شامل.
أمجاد مسعد، الرئيس التنفيذي لـ Replit، صاغ المعضلة بوضوح لـ TechCrunch: “حظر النماذج الصينية المفتوحة يعادل حظر النماذج المفتوحة بالمطلق.” وأشار إلى مثال مباشر: نموذج Inkling الجديد من Thinking Machines Lab، وهو نموذج أمريكي مفتوح، بُني جزئياً بمساعدة Kimi 2.5 الصيني. المنظومة مترابطة، والسابقة التي قد يخلقها الحظر ستكون مدمّرة للابتكار بأكمله.
الرسالة تدحض أيضاً حجة أمنية رائجة، وهي أن النماذج مفتوحة الأوزان تشكّل خطراً بطبيعتها لأنها توسّع الوصول إلى قدرات يمكن توظيفها في هجمات إلكترونية. المنطق المضاد الذي يسوقه الموقّعون هو أن المدافعين في مجال الأمن السيبراني يحتاجون إلى نماذج بمستوى مكافئ لما يمتلكه المهاجمون، وإلا باتوا في مرتبة أدنى في كل مواجهة. “النماذج المفتوحة توسّع القدرة الدفاعية، وتزيد الشفافية، وتتيح اكتشاف الثغرات ومعالجتها عبر فرق متعددة”، هذا ما تنص عليه الرسالة حرفياً.
وقعت هذه الحجة في توقيت مثالي، إذ كشفت OpenAI الأسبوع الماضي أن أحد نماذجها خلال اختبار GPT-5.6 Sol استغلّ ثغرة في بيئة الاختبار للوصول إلى مستودع Hugging Face الذي يحتوي على حل لاختبار برمجي معياري. الحادثة أشعلت جدلاً حول مخاطر تركيز الذكاء الاصطناعي في يد عدد محدود من المزودين المغلقين. والأكثر دلالة هو ما كشفته Hugging Face ذاتها: أنها لم تتمكن من الدفاع عن نفسها باستخدام النماذج التجارية المغلقة، لأن ضمانات السلامة المدمجة فيها منعتها من التمييز بين طلبات بناء استغلالات لهجوم أو لكشف ثغرة دفاعية. في النهاية، لجأت Hugging Face إلى GLM 5.2 من الشركة الصينية Z.ai، نموذج مفتوح الأوزان وقوي، لإنجاز المهمة الدفاعية.
المشهد يكشف انقساماً حاداً في الصناعة. OpenAI وAnthropic تدفعان باتجاه استجابة حازمة من الإدارة الأمريكية تجاه ادعاءات سرقة الملكية الفكرية، وهو موقف ليس بعيداً عن مصالحهما التجارية: الانتشار الواسع لنماذج مفتوحة رخيصة وعالية القدرة يهدد نماذج أعمالهما المبنية على الاشتراكات والوصول المحدود. يُضاف إليهما Google DeepMind وSpaceX، الغائبون اللافتون عن قائمة الموقّعين على الرسالة.
في المقابل، من وقّعوا على الرسالة لديهم مصالح اقتصادية واضحة في ازدهار النماذج المفتوحة. Nvidia وMicrosoft Azure ومزودو البنية التحتية الآخرون يربحون أكثر في عالم تتنافس فيه نماذج قابلة للتبادل: كلما كانت النماذج أكثر وفرة وتعددية، زاد الطلب على وحدات معالجة الرسوميات GPU وسعة الحوسبة السحابية والتطبيقات المبنية فوقها.
الرسالة تختم بمطالب محددة للسياسة العامة: توسيع وصول الشركات الناشئة والباحثين إلى الحوسبة، الاستثمار في أصول تدريب مشتركة كقواعد البيانات وأدوات التقييم، والحفاظ على تعددية الحدود التقنية بتجنب القيود المبكرة على النماذج المفتوحة التي تُخنق المنافسة أو تدفع الابتكار خارج الحدود الأمريكية.
المفارقة الجوهرية في هذا النقاش هي أن من يطالبون بحماية الملكية الفكرية الأمريكية قد ينتهون إلى تقييد الابتكار الأمريكي ذاته. حظر النماذج الصينية المفتوحة لن يوقف الـ distillation ولن يمنع الاستخراج غير المشروع للبيانات، لكنه قد يعزل المطورين الأمريكيين عن منظومة عالمية يعتمدون عليها، ويدفعهم للعمل بأدوات أضعف في حين يتقدم المنافسون في اتجاهات أخرى. القرار لم يُتخذ بعد، لكن الضغط يتصاعد من الجانبين.







