
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في مايو 2026 أن ما يقارب نصف موظفيها البالغ عددهم 3.5 مليون موظف باتوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي (وفقاً لـ Business Insider). لكن بحلول منتصف يونيو، كانت حصة توكنات الجيش قد نفدت بالكامل، وتلقّى موظفو قيادة تطوير القدرات القتالية (DEVCOM) إيميلاً يطلب منهم تقليص الاستخدام.
المفارقة لا تخلو من طرافة مرّة: الجيش نفسه كان يُرسل إيميلات لموظفين سجّلوا في منصة Ask Sage دون أن يستخدموها بانتظام، يحثّهم فيها على استهلاك المزيد من التوكنات المخصصة لهم. كل موظف حصل على ما لا يقل عن 200,000 توكن شهرياً، مع تخصيص تلقائي إضافي عند الاستنزاف، وذلك ضمن اشتراك سنوي قيمته 100 مليون توكن كـ”حزمة مؤسسية” (وفقاً لـ Wired). النتيجة؟ استنزاف رصيد العام كاملاً في أسابيع.
منصة Ask Sage هي بيئة LLM مؤسسية مُعتمدة للمعلومات غير السرية، تتيح تشغيل نماذج متعددة من بينها Gemini من Alphabet وLlama من Meta وChatGPT من OpenAI. يستخدمها الجيش في مهام كإعادة تصنيف الأوصاف الوظيفية وتحديد متطلبات الخبرات، كما تعتمد عليها المكتب الرئيسي للذكاء الاصطناعي الرقمي (CDAO) في عمليات الشراء. التوكن الواحد في هذه المنصة يعادل نحو 3.7 حرف من النص المُولَّد، مما يعني أن المئة مليون توكن رقم يبدو ضخماً لكنه يُستنفد بسرعة عند الاستخدام المكثف (وفقاً لـ Wired).
وللتدليل على حجم الشهية، أنفق البنتاغون 20 مليار توكن يومياً على مدار 38 يوماً خلال عملية “Epic Fury” في إيران (وفقاً لـ Breaking Defense)، ولا يزال غير واضح ما إذا كانت هذه التوكنات تُستقطع من نفس مجمّع الموظفين المدنيين أو من حصص منفصلة للعمليات السرية.
الجيش لا يقف وحيده في هذا المشهد. ميتا، التي راحت تُشجّع موظفيها على ما أسمته “tokenmaxx”، أزالت بهدوء لوحة المتصدرين التي كانت تتابع استهلاك التوكنات، وبات آدم موسيري رئيس إنستغرام يطرح فكرة تحديد سقف للتوكنات لكل مهندس. وأوبر من جهتها شهدت مهندسيها يستنفدون حصة عام كاملة خلال أربعة أشهر فقط (وفقاً لـ Wired). النمط إذاً واحد: إطلاق حر، ثم صدمة الفاتورة، ثم تراجع.
لكن ما يجعل الحالة العسكرية أكثر إثارة للتساؤل هو ما يكشفه موظف في الجيش تحدّث إلى Wired بشرط عدم الكشف عن هويته: منظومة Ask Sage لم تُقنعه بجدواها أصلاً، وفي إحدى المرات أكّد له النموذج إتمام مهمة لم يُنجزها فعلاً. “أعتقد أن هناك جوانب من بيروقراطية الحكومة الفيدرالية الأمريكية قد تُفيد فيها هذه الأدوات، لكن التطبيق الأعمى دون تفكير لن يُفضي إلى انتشار فعّال أو موثوق”، على حدّ تعبيره.
في الوقت ذاته، يواصل البنتاغون دفعه نحو التوسّع في الذكاء الاصطناعي دون توقف. فبعد أسبوع واحد فقط من نفاد التوكنات، نشرت The Intercept أن الوزارة تُقلّص طاقم مركز تميّز حماية المدنيين، الذي كان يعمل على تجنب الإصابات المدنية في مناطق النزاع، لصالح أداة ذكاء اصطناعي ستُسرّع عملية التقييم التي كان البشر يقومون بها. وهنا تصبح مسألة “الكفاءة” أكثر تعقيداً: كفاءة في خفض التكاليف البشرية، أم كفاءة في دقة القرار؟
الأزمة أوضحت معادلة واضحة تغفلها كثير من المؤسسات: استهلاك التوكنات ليس مقياساً للإنتاجية. حين تُغري المؤسسات موظفيها باستخدام الذكاء الاصطناعي بلا سقف واضح، تخلق طلباً مُضخَّماً لا يعكس قيمة حقيقية. الحل لا يكمن في تعليق لوحات متصدرين، ولا في إيميلات عاجلة تطلب تقليص الاستخدام، بل في تصميم سياسة واضحة تربط التوكن باستخدام يُنجز مهمة موثّقة — لا بمجرد تجربة عشوائية تُحسب “مبادرة للتحديث”.







