
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
لم يعد السؤال هل يشكّل الذكاء الاصطناعي الصيني تهديداً، بل أصبح: من في واشنطن يملك صلاحية الرد عليه، وكيف؟ هذا هو جوهر الخلاف الداخلي الذي تعيشه إدارة ترامب الآن، وفق ما كشفه تقرير Wired استناداً إلى مصادر متعددة مطّلعة على المداولات.
الانقسام يسير على خطّين واضحين: البيت الأبيض الذي يدفع نحو ضوابط أكثر صرامة على نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية التي باتت تضاهي أقوى النماذج الأمريكية، ووزارة التجارة التي ترى أن تلك القيود غير قابلة للتطبيق عملياً. والشرارة التي أشعلت هذا الجدل مجدداً هي إطلاق مختبر Moonshot AI الصيني نموذجَه Kimi K3 الأسبوع الماضي، الذي يُعدّ منافساً مباشراً لأفضل نماذج Anthropic وOpenAI.
ما يجعل الأمر أشدّ تعقيداً هو تقنية الـ distillation، أو “التقطير”، التي تتيح لمختبرات الذكاء الاصطناعي تدريب نماذجها باستخدام مخرجات نماذج أقوى تابعة لمنافسين، بما يُكسبها قدرات متقدمة دون الحاجة إلى الموارد الهائلة التي يتطلبها التدريب من الصفر. وقد أعلن البيت الأبيض رسمياً أن Kimi K3 طُوِّر بتقطير نموذج Claude Fable 5 من Anthropic، في ما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت لقناة Fox Business بأنه “سرقة للملكية الفكرية” قد تستوجب عقوبات وفق ما صرّح به. وكانت Anthropic قد اتهمت شركة Alibaba الشهر الماضي بتنفيذ “أضخم هجوم تقطير معروف” ضدها حتى الآن، وهو ما رفع درجة الاهتمام الرسمي بهذا الملف إلى مستويات غير مسبوقة.
البيت الأبيض يناقش إجراءات رئاسية محتملة رداً على هذه الهجمات، غير أن أحد المصادر أوضح أن الإجراء المتوقع لن يأخذ شكل مرسوم تنفيذي في الوقت الراهن. في المقابل، لم تتلقَّ وزارة التجارة أي طلب رسمي للتشاور حتى الآن، رغم أنها تمتلك أوراق ضغط حقيقية عبر إشرافها على ضوابط التصدير من خلال Bureau of Industry and Security. وزير التجارة هاورد لوتنيك يقف في منطقة رمادية: فرض بالفعل ضوابط تصدير على Anthropic لإخضاعها، لكنه يبحث في الوقت ذاته عن طرق لتحفيز المختبرات الأمريكية الكبرى على إطلاق نماذج open weight خاصة بها لموازنة النفوذ الصيني، وقد أجرى محادثات في هذا الشأن مع قيادات عدد من مختبرات الذكاء الاصطناعي خلال الأسابيع الأخيرة.
ما يزيد المشهد تشابكاً هو أن جدول الأعمال كان مشغولاً قبل أسابيع قليلة بنقاشات حول نماذج Anthropic Claude Mythos وFable 5 ذاتها — لا بسبب التقطير هذه المرة، بل لقدرتها على اكتشاف ثغرات في الأنظمة الحكومية والبنى التحتية الحيوية. وهذا يكشف عن مفارقة لافتة: النماذج الأمريكية القوية تُقلق الإدارة من الداخل، فيما تُقلقها النماذج الصينية التي تستنسخ تلك القدرات من الخارج.
الأخطر في كل هذا هو نماذج الـ open weight الصينية، وهي نماذج متاحة للتنزيل الحر دون قيود تقريباً، وتفتقر إلى الضمانات الأمنية الكافية، مما يعني أن أي جهة — حكومية كانت أم غير حكومية — تستطيع استخدامها لاستغلال نقاط ضعف في الأنظمة الحيوية. وهذا التحدي يختلف نوعياً عن التعامل مع نماذج تجارية مقيّدة، إذ لا توجد جهة يمكن الضغط عليها أو محاسبتها بعد النشر.
المشكلة الحقيقية التي تجلّيها هذه المداولات لا تقتصر على الذكاء الاصطناعي الصيني: فالبيت الأبيض وجهاز تنفيذي ضخم يتصارعان على تعريف “التهديد” قبل الاتفاق على “الرد”. ولا يبدو أن واشنطن قادرة حتى الآن على تجاوز هذه المرحلة بسرعة تليق بوتيرة التطور الذي تحاول كبحه.







