
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
كانت الصفقة بسيطة في ظاهرها: غوغل تزحف على مواقعك، تفهرسها، وترسل إليك ملايين الزيارات مقابل البيانات. لم تكن الصفقة متكافئة أبداً، إذ جنت غوغل أرباحاً أضخم بكثير مما جناه الناشرون، لكنها كانت تعمل. الآن، وللمرة الأولى منذ ربع قرن، يبدو أن هذا النظام يتفكك تحت ضغط الذكاء الاصطناعي، وقد بات من الصعب على أي ناشر رقمي أو موقع إلكتروني تجاهل ما يُعرف بـ”غوغل زيرو”.
المصطلح ليس جديداً على قراء The Verge، لكنه تحوّل في الأسابيع الأخيرة من تحذير نظري إلى واقع قابل للقياس. ما يحدث هو أن غوغل باتت تجيب على استفسارات المستخدمين مباشرةً داخل صفحة النتائج عبر ميزات الذكاء الاصطناعي، فيتلقى المستخدم إجابته دون أن يضغط على أي رابط. النتيجة؟ تيار الزيارات المجاني الذي كانت تعتمد عليه المواقع بدأ يجف، وبعض الناشرين يصفون الانخفاض بأنه حاد ومستمر.
الأمر لا يقتصر على مواقع صغيرة هامشية. Reddit نفسه، أحد أضخم مصادر المحتوى البشري على الإنترنت، بات يدرس الخروج من صفقة تدريب الذكاء الاصطناعي التي أبرمها سابقاً، في إشارة إلى أن منتجي المحتوى الكبار باتوا يراجعون حساباتهم من جذورها. وفي الوقت ذاته، يناقش عدد من الناشرين إمكانية حجب زاحف غوغل كلياً عن مواقعهم، وهو خيار كان يُعدّ حتى وقت قريب ضرباً من ضروب الانتحار الرقمي.
الغريب في الأمر أن غوغل نفسها تشعر بعبء هذا التحول. نتائج الربع الثاني من عام 2026 لشركة Alphabet تكشف أن قطاع البحث يمر بضغوط غير مسبوقة جراء موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي. غوغل تحاول حماية هيمنتها بتضمين إجابات الذكاء الاصطناعي في بحثها، لكن هذا بالذات هو ما يقتل الزيارات التي يحتاجها الناشرون ليبقوا. التناقض صارخ: كلما أحسنت غوغل في الإجابة، كلما قتلت المنظومة التي تغذيها.
في حلقة Vergecast الأخيرة، ناقش David Pierce وNilay Patel هذه التوترات بعمق، متناولين حادثة أخرى لافتة: اختراق OpenAI بشكل غير مقصود لمنصة Hugging Face، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول مدى الاهتمام بأمن بيانات المطورين عندما تتحرك شركات الذكاء الاصطناعي بهذه السرعة. كما تناول البودكاست صفقة Ford مع Apple Maps التي تعيد رسم تحالفات صناعة السيارات والبرمجيات، إلى جانب ظاهرة أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي المشكوك في دقتها، التي تنتشر على المنصات الرقمية بينما يتساءل كثيرون عن موثوقيتها.
الإشكالية الجوهرية تتجاوز مجرد الزيارات. ما يتآكل هو العقد الضمني الذي قام عليه الاقتصاد الرقمي بأسره: افتراض أن المحتوى الذي تنتجه يصل إلى جمهوره عبر محرك البحث. حين تصبح غوغل هي من يختصر المحتوى ويقدمه، يتحول الناشر من مزود معلومات إلى مجرد مصدر خام لنموذج لغوي. هذا ليس تطوراً طبيعياً للنظام، بل تحوّل في موازين القوة لصالح طرف واحد فقط.
الخيارات المتاحة أمام الناشرين ضيقة وغير مريحة على حد سواء. حجب الزاحف يعني فقدان أي حضور متبقٍّ في نتائج البحث التقليدية. القبول بالوضع الراهن يعني الاستسلام لمعادلة تتقلص فيها الزيارات تدريجياً مع كل تحسين تقني جديد تطلقه غوغل. والتفاوض على صفقات تدريب الذكاء الاصطناعي — كما تكشف تجربة Reddit — ينطوي على مخاطر طويلة الأمد لم تتضح معالمها بعد. لا توجد إجابة سهلة، والمؤسسات التي تعتقد أنها وجدتها غالباً ما تبيع وهماً لنفسها.
ما يصعب إنكاره هو أن “غوغل زيرو” لم يعد سيناريو مستقبلي يمكن تأجيل التفكير فيه. إنه يحدث الآن، وبالنسبة لكل من يعمل في إنتاج المحتوى الرقمي — من المطورين الذين يبنون مواقع إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى — فإن السؤال لم يعد “هل سيؤثر هذا علينا؟” بل “كيف نتكيف مع عالم لا تُضمن فيه زيارة واحدة قادمة من البحث؟”







