تُحدَّث يومياً

مصدرُك العربي
لمستقبل الذكاء الاصطناعي

أخبار، تقارير، أدوات وتحليلات يومية — كل ما تحتاجه لمتابعة ثورة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية

✅ تم الاشتراك!
أخبار الذكاء الاصطناعي

شيكاغو تُعيد تصميم تعليم القانون في زمن الذكاء الاصطناعي

بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري

في التاسع من يوليو 2026، أصدرت كلية الحقوق في جامعة شيكاغو وثيقة استراتيجية شاملة تُعلن فيها إعادة هيكلة كاملة لمناهجها وسياساتها التعليمية، مدفوعةً بتسارع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية. الوثيقة ليست مجرد إعلان عزايا أو قواعد انضباط رقمية — إنها رهان واضح على أن التعليم القانوني الصارم لا يُبنى بالحظر وحده، ولا بالانفتاح الأعمى، بل بتوازن دقيق بين الاثنين.

المفارقة التي تبنيها الوثيقة صريحة: الكلية لا تريد طلاباً عاجزين عن استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تريد أيضاً طلاباً لا يستطيعون التفكير بدونه. هذه المعادلة أسهل في الصياغة منها في التطبيق، وما يجعل هذه الاستراتيجية جديرة بالاهتمام هو تفصيلها الدقيق لكيفية تحقيق ذلك التوازن عملياً داخل الفصول الدراسية.

جاءت الوثيقة بعد ثلاث سنوات من العمل المتدرج؛ بدأت الكلية تشكيل لجنة للذكاء الاصطناعي في مطلع 2023، عقب إطلاق ChatGPT نهاية 2022، ثم أضافت وحدة تعليمية للذكاء الاصطناعي ضمن برنامج البحث القانوني للسنة الأولى، وأطلقت مقررات متخصصة في القانون والذكاء الاصطناعي، وأسست مختبراً للذكاء الاصطناعي مخصصاً لتطوير أدوات تُحسّن الوصول إلى العدالة، وأبرمت تراخيص مع شركات ذكاء اصطناعي كبرى لمنح الطلاب والأساتذة والموظفين إمكانية الوصول إلى الأدوات ذاتها التي يستخدمها المحامون في سوق العمل. ثم جاء العام الماضي بجهود أوسع تضمنت استشارات مكثفة مع خريجين، وقادة مكاتب محاماة، ورجال أعمال، ومديري تقنيات قانونية، ومستشارين من الداخل، واستطلاع الأدبيات الأكاديمية والمهنية الناشئة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على التعلم والممارسة القانونية.

الرسالة التي خرجت من كل هذه المشاورات كانت متسقة ومزدوجة: يجب ضمان أن يتعلم الطلاب التفكير النقدي والاستراتيجي والمستقل دون الاتكاء على الذكاء الاصطناعي، لكن يجب في الوقت ذاته الاعتراف بأن هذه الأدوات متاحة للطلاب الآن وأن أصحاب العمل يتوقعون من الخريجين إتقانها.

تقوم الاستراتيجية على ثلاثة محاور. الأول هو بناء بيداغوجيا وأساليب تقييم “مقاومة للذكاء الاصطناعي” — لا بمعنى الحظر الكامل، بل بتصميم بيئات تعليمية تكافئ الانخراط الجاد مع المادة وتُحبط الاستعانة السهلة بالإجابات الجاهزة. الثاني هو تعزيز “المهارات البشرية الأساسية” التي يرجّح أن تظل حكراً على الإنسان: المرافعة الشفهية، الحكم الاستراتيجي، التفكير النقدي، وبناء العلاقات مع الموكلين والأطراف — ليس لأن الإنسان يتفوق فيها تقنياً فحسب، بل لأن الموكلين والقضاة والمجتمع سيرغبون دائماً في أن يُؤديها إنسان. الثالث هو تعليم الاستخدام المسؤول والفعّال والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أن التدريب لا يعني فقط إتقان الأدوات الحالية، بل بناء قدرة تحليلية تمكّن الطالب من التكيف مع التقنيات المتغيرة.

أما على صعيد التطبيق، فالسياسات مفصّلة بحسب مراحل الدراسة. في السنة الأولى وضمن المقررات الإلزامية الكبرى — الإجراءات المدنية، والمسؤولية التقصيرية، وعناصر القانون، والعقود، والملكية، والقانون الجنائي، والقانون الدستوري، وتفسير التشريعات، والمحاماة التعاقدية — ستُحظر الأجهزة الإلكترونية من الأجهزة اللوحية والهواتف والحواسب في الفصول الدراسية خلال العام الأكاديمي 2026–2027، مع استثناءات محدودة كتحديد “كاتب” للفصل ومراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة. كذلك ستُجرى الامتحانات داخل القاعات دون إنترنت أو ملفات رقمية. يستند هذا الخيار إلى توافق أكاديمي ناشئ يُشير إلى أن الانخراط الشخصي النشط يُعزز التعلم، فيما يُثبّط الاعتماد على الأجهزة لتدوين الملاحظات أو الإجابة عن الأسئلة ملكة التأمل والاستدلال.

المقرر الذي يُعامَل بمنطق مغاير هو البحث القانوني والكتابة للسنة الأولى. هنا تنتهج الكلية مساراً تدرجياً: تبدأ الكتابة بلا ذكاء اصطناعي لترسيخ الأسس، ثم تُدمج أدواته لاحقاً في مراحل البحث والمراجعة وتكرار المسودات والتحضير للمرافعة الشفهية. الطلاب وأساتذتهم يُراجعون معاً كتاباتهم وطريقة استخدامهم للذكاء الاصطناعي — وهذا النهج التشاركي في النقد يبدو أكثر نضجاً من مجرد منح إذن الاستخدام أو سحبه. المبرر العملي صريح: معظم الطلاب سيقضون صيف السنة الأولى في بيئات مهنية تتوقع منهم استخدام الذكاء الاصطناعي في مهام البحث والكتابة.

في المقررات الاختيارية وعلى مستوى السنوات المتقدمة، تتحول السياسات من قواعد إلزامية إلى توجيهات افتراضية، مع تشجيع الأساتذة على التجريب. من الأمثلة القائمة فعلاً: روبوتات محادثة مخصصة كأدوات مذاكرة، ومسائل تدريبية تولّدها الأدوات الذكية. وتُشير الوثيقة إلى أن طيفاً من أساليب التقييم يتمتع بقيمة مضافة كأساليب مقاومة للذكاء الاصطناعي: الامتحانات التكوينية المرحلية، والمشاريع الجماعية، والعروض الشفهية، والتقييم بين الأقران.

ثمة سؤال لا تُجيب عنه الوثيقة بوضوح: كيف يُقيّم الأساتذة بدقة ما إذا كان الطالب يُفكر فعلاً أم يُعيد توليف ناتج إنساني-آلي بمهارة متزايدة؟ ومع تطور نماذج اللغة، يزداد هذا الحد غموضاً. لكن ربما هذا ليس فشلاً في الخطة بقدر ما هو اعتراف ضمني بأن المشكلة لا حل تقنياً لها — وأن الحل الوحيد هو بناء ثقافة أكاديمية تجعل الغش على الطالب أقل جدوى من التعلم.

ما تفعله شيكاغو مختلف عن مجرد تحديث السياسات: إنها تُراجع هوية الكلية القانونية بالكامل في ضوء تقنية قد تُهدد بعض وظائف خريجيها وتُعيد تشكيل بعضها الآخر. الكلية التي اخترعت درجة الدكتوراه في القانون (Juris Doctor) وأسّست التعليم القانوني متعدد التخصصات تُراهن الآن على أن الصرامة الفكرية ليست نقيضة للذكاء الاصطناعي — بل هي الدرع الوحيد الذي يُمكّن من استخدامه دون أن يبتلع صاحبه.

University of Chicago Law School

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى