تُحدَّث يومياً

مصدرُك العربي
لمستقبل الذكاء الاصطناعي

أخبار، تقارير، أدوات وتحليلات يومية — كل ما تحتاجه لمتابعة ثورة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية

✅ تم الاشتراك!
أخبار الذكاء الاصطناعياختيار المحررين

الذكاء الاصطناعي يصنع 16 فيروساً جديداً كلياً في المختبر

بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري

لأول مرة في تاريخ علم الأحياء الحاسوبي، نجح الذكاء الاصطناعي في تصميم فيروسات حقيقية وظيفية من الصفر — لا تقليداً لفيروسات معروفة، ولا تحويراً لأمراض قائمة، بل كائنات جينية لم توجد قط في الطبيعة. النتيجة: 16 فيروساً عاملاً بالكامل من أصل 300 جينوم مُركَّب في المختبر، بتسلسلات DNA مختلفة اختلافاً جوهرياً عن أي بكتيريوفاج طبيعي. وقد نشرت مجلة Science نتائج البحث هذا الأسبوع.

الفريق خلف هذا الاختراق ينتمي إلى جامعة ستانفورد ومعهد Arc، وقد اعتمد على نموذجَين أساسيَّين للذكاء الاصطناعي في بيولوجيا الحوسبة هما Evo 1 وEvo 2، اللذين دُرِّبا على ملايين الجينومات من جميع مجالات الحياة — من الحيوانات والنباتات إلى الميكروبات والبكتيريا والفيروسات. الهدف من هذا التدريب الضخم لم يكن حفظ التسلسلات الجينية، بل فهم الأنماط التطورية العميقة: كيف تتنظّم الجينات عادةً، وما التسلسلات المحفوظة عبر الأنواع، وما القيود البيولوجية التي تجعل كائناً حياً يعمل أصلاً.

النقطة المرجعية للتجربة كانت البكتيريوفاج Phi X-174، القادر على إصابة بكتيريا Escherichia coli (E. coli). لكن العلماء لم يطلبوا من الخوارزميات إعادة إنتاجه؛ استخدموه دليلاً معمارياً فحسب، ليولّد الذكاء الاصطناعي آلاف الجينومات الجديدة كلياً التي تحمل بنية وظيفية متوافقة مع إصابة E. coli. الفيروسات الناتجة احتفظت بالقدرة على التعرف على البكتيريا، وإدخال حمضها النووي، ونسخه، وإنتاج جسيمات فيروسية جديدة وتجميعها — لكن تسلسلات DNA فيها تختلف اختلافاً كبيراً عن أي بكتيريوفاج طبيعي موثّق.

من الـ 300 جينوم المُركَّب يدوياً جزيئاً بجزيء في المختبر، نجح 16 منها فقط في إنتاج بكتيريوفاجات وظيفية بالكامل (وفقاً لـ WIRED). هذه الفيروسات الستة عشر لم تكن نسخاً متطابقة من بعضها؛ فبعضها أصاب البكتيريا بسرعة أكبر، وبعضها أظهر قدرات تضاعف مختلفة، فضلاً عن اختلافات في العناصر التنظيمية وحتى في أحجام الجينومات ذاتها. وهو ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يُنتج نمطاً واحداً مكرراً، بل تنوعاً بيولوجياً حقيقياً.

أكثر ما يثير الاهتمام العلمي في هذه التجربة هو الاختبار الأخير: عرَّض الباحثون مزيجاً من البكتيريوفاجات المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي ومزيجاً من البكتيريوفاجات الطبيعية المشابهة لـ Phi X-174 على سلالات من E. coli طوّرت مقاومة مسبقة لهذا الفيروس. النتيجة أن الفيروسات الاصطناعية تمكّنت من التغلب بسرعة على تلك المقاومة البكتيرية وإحداث الإصابة، في حين عجزت الفيروسات الطبيعية. ويرى مؤلفو الدراسة أن هذا يُثبت “مساراً نحو علاجات فاجية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي ضد مسببات الأمراض البكتيرية سريعة التطور”.

هنا تتفرّع القضية إلى مسارين متضادين يصعب فصلهما. من جهة، تُعاني البشرية أزمة متصاعدة في مقاومة المضادات الحيوية، وهذا النهج يفتح إمكانية تطوير علاجات فاجية مُخصَّصة قادرة على التطور بالسرعة ذاتها التي تتطور بها البكتيريا المقاومة — ما يحوّل الذكاء الاصطناعي إلى شريك تطوري وليس مجرد أداة تصميم. من جهة أخرى، المنطق نفسه ينطبق على الجانب المظلم: إذا كان بالإمكان تصميم فيروسات وظيفية من الصفر لمهاجمة بكتيريا محددة، فما الذي يحول دون توجيه هذه القدرة نحو أهداف أكثر خطورة؟

مورتز هانكه، الباحث في مركز جونز هوبكنز لأمن الصحة، أكد في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز أنه لا توجد حالياً ضمانات كافية تمنع توظيف الذكاء الاصطناعي في صنع فيروس قاتل، واصفاً الهوّة بين تقدم العلم وتطور الأطر التنظيمية بأنها “فجوة هائلة” (وفقاً لـ The New York Times). هذا التحذير ليس وليد اليوم؛ فقبل ثلاث سنوات، حذّرت مؤسسة RAND Corporation من أن أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تطوراً آنذاك كانت قادرة على صقل تخطيط الهجمات البيولوجية وتنفيذها — وهي نفس المؤسسة التي نبّهت إلى أن سرعة تطور هذه الأنظمة كثيراً ما تتخطى قدرة الحكومات على الرقابة التنظيمية.

يُضاف إلى ذلك أن تصميم الفيروسات بالذكاء الاصطناعي لم يعد ضرباً من الخيال العلمي أو مشروعاً استكشافياً بعيد التطبيق — بل أصبح حقيقة موثّقة في مختبرات جامعية. وهذا يعني أن النقاش حول الأطر التنظيمية لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل استحقاقاً عاجلاً. نحن أمام تقنية تجمع بين إمكانيات علاجية استثنائية وخطر جيوسياسي غير مسبوق، وأي سياسة تركز على أحدهما وتتجاهل الآخر تحمل ثمناً باهظاً في المدى البعيد. السؤال ليس إن كانت هذه التقنية ستنتشر، بل في أي شروط وبأي رقابة.

WIRED

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى