
يتكرر المشهد ذاته مرة أخرى. مع كل نموذج ذكاء اصطناعي متطور جديد، تنطلق نفس الأصوات محذرة من كارثة وشيكة إذا وصلت هذه التقنية للعامة. هذه المرة، البطل هو Claude Mythos من أنثروبيك بقدراته المتقدمة في الأمن السيبراني، والشرير المزعوم هو احتمالية إتاحة نسخة مفتوحة الأوزان منه.
لكن ناثان لامبرت، الباحث المختص في الذكاء الاصطناعي، يرفض هذه الدراما المكررة. في تحليله الأخير عبر نشرة Interconnects AI، يصف هذه الموجة الجديدة من “الخوف المضلل من النماذج مفتوحة الأوزان” بأنها تخلط متغيرات عامة مجهولة في توصية سياسية بسيطة قد تضعف فعلياً جاهزيتنا للأمن السيبراني بدلاً من تعزيزها.
الحقيقة أن هذا الجدل ليس جديداً. شهدنا نفس الذعر عندما حجبت OpenAI أوزان GPT-2 عام 2019 خوفاً من “خطورته الشديدة”، وتكرر المشهد مع إطلاق GPT-4 عام 2023. في كلا الحالتين، جاءت موجة الذعر وذهبت دون أن تتحقق الكوارث المتوقعة. المشكلة الأساسية في هذا النمط من التفكير تكمن في افتراضين خاطئين: أن الفجوة بين النماذج المغلقة والمفتوحة ثابتة عبر الزمن، وأن جدوى النماذج مفتوحة الأوزان يجب أن ترتبط بقضايا محددة بدلاً من الصورة الأكبر.
يقدم لامبرت أرقاماً واقعية تكشف المبالغة في هذه المخاوف. النماذج الرائدة الحالية مثل Claude Opus 4.6 أو GPT 5.4 تحتوي على حوالي 3-5 تريليون معامل، بينما أكبر النماذج مفتوحة المصدر – القادمة من المختبرات الصينية – تصل لتريليون معامل فقط. بالنسبة لـ Claude Mythos، فسعره الذي يبلغ 5 أضعاف سعر Opus يشير لنموذج ضخم، ربما بحجم 8 تريليون معامل مع تعقيدات إضافية في التشغيل.
هنا تكمن النقطة الحاسمة: تشغيل مثل هذا النموذج يتطلب موارد ضخمة. يقدر لامبرت الحاجة لحوالي 100 وحدة معالجة رسومية H100، بتكلفة تبلغ 10 آلاف دولار يومياً. هذا الرقم وحده يدحض الحجة الأساسية للمعارضين – فعدد الجهات القادرة على تحمل هذه التكاليف محدود جداً مقارنة بعدد من يمكنهم تحميل الأوزان. ببساطة، لن نصل لسيناريو “تسليم قنبلة نووية لكل مراهق متصل بالإنترنت”.
لكن التحدي الأعمق يكمن في السؤال عما إذا كانت قدرات الأمن السيبراني لـ Mythos تستند لمعرفة عامة متاحة أم لخبرات متخصصة سرية. يرجح لامبرت أن معظم هذه القدرات يمكن تعلمها من خلال تدريب النموذج ليصبح فائق الإنسان في البرمجة، باستخدام بيانات عامة مثل GitHub. هذا يعني أن النماذج مفتوحة الأوزان قد تحافظ على قربها من الحدود التقنية في مجالات البرمجة وتنفيذ الشيفرات، لكن مدى الخبرة المطلوبة للتفوق في فهم الأمن السيبراني يبقى مجهولاً.
المفارقة أن الاعتماد الكامل على شركة واحدة لتحديد أمان البنية التحتية الدولية الأساسية ليس وضعاً مستداماً أيضاً. وجود نماذج مفتوحة قوية قريبة من العتبة التقنية يجعل تقييم المخاطر أسهل فعلياً، ويمكن هذه النماذج من أن تُستخدم لتقوية الدفاعات بدلاً من إضعافها فقط.
يطرح لامبرت ثلاثة أسئلة بحثية حاسمة تحتاج إجابات قبل اتخاذ قرارات سياسية متسرعة: كيف نقيس القدرات المرتبطة بالأمن السيبراني عبر النماذج المفتوحة والمغلقة؟ كيف نقيس بشكل مستقل التأثير الحقيقي لـ Claude Mythos على مخاوف الأمن السيبراني الحالية؟ وإذا ثبت أن النماذج المفتوحة تواكب التطور والقدرات الدفاعية لـ Mythos ضعيفة، كيف نراقب القدرات المستهدفة للنماذج مفتوحة الأوزان في المجالات الضيقة بشكل أفضل؟
الخطر الحقيقي لا يكمن في النماذج المفتوحة، بل في ردود الأفعال المتسرعة التي قد تؤدي لخسارة استراتيجية طويلة المدى. أي حظر عام على النماذج المفتوحة في دولة معينة سيزيل قدرة تلك الدولة على التأثير في تقنية حاسمة ومتطورة باستمرار. إذا توقفت الولايات المتحدة عن بناء أفضل النماذج المفتوحة، فستتولى دولة أخرى هذا الدور وتصبح مركز هذه التقنية الاستراتيجية.
بالنسبة للمطورين والشركات الناشئة في السعودية والإمارات ومصر، هذا الجدل يحمل درساً مهماً حول أهمية الموازنة بين الحذر المدروس والذعر المدمر. الاستثمار في فهم هذه التقنيات وتطوير قدرات محلية للتعامل معها أولى من الانغماس في دورات الذعر المتكررة التي تعوق التقدم أكثر مما تحميه.




