
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
ثمانية بالمئة تفصل بين منشور عادي ومنشور كُتب عليه “مصنوع بالذكاء الاصطناعي” — هذا ما خلصت إليه دراسة أجرتها جامعة جنوب كاليفورنيا ونُشرت في Journal of Consumer Research في مايو 2026، بعد تحليل أكثر من مليون منشور على TikTok واختبارات معملية متعددة. النتيجة ليست مجرد رقم: إنها كاشفة لطريقة تفكير الجمهور حين يُخبَر أن ما يشاهده لم يصنعه إنسان بيده.

الدراسة اعتمدت على ثمانية تجارب معملية مختلفة إضافةً إلى تحليل ميداني شمل 1,135,817 منشوراً من 8,650 حساباً على TikTok (وفقاً لـ Science Says). وجمعت الباحثون ستيفان كارني وإنياسيو ريفيروس وستيفاني تولي من كلية مارشال للأعمال في جامعة جنوب كاليفورنيا.
الأرقام التي رصدتها الدراسة تتحدث عن نفسها:
- انخفضت الإعجابات بنسبة 7 إلى 8% على المنشورات المُوسَمة بالذكاء الاصطناعي مقارنةً بمنشورات مماثلة في الجودة لكنها بشرية الصنع (وفقاً لـ Science Says).
- انخفض إجمالي التفاعل — التعليقات والمشاركات مجتمعةً — بنسبة 7% حتى حين كان مستوى الجودة متساوياً تماماً بين المنشورَين (وفقاً لـ Science Says).
- اعتقد المتابعون أن المبدع بذل 15.6% جهداً أقل في إنتاج المحتوى، مما أضعف صورته أمامهم (وفقاً لـ Science Says).
- شعر الجمهور بأنه أقل ارتباطاً بالمبدع بنسبة 14.5%، وهو المتغير الأهم لأن الارتباط العاطفي هو ما يُحوّل متابعاً عابراً إلى مشجع دائم (وفقاً لـ Science Says).
- الاستثناء الوحيد الذي وثّقته الدراسة: يختفي هذا الأثر السلبي حين يُدرك الجمهور أن أداة الذكاء الاصطناعي المستخدمة معقدة وتستوجب مهارة، كـ Photoshop Neural Filters مثلاً، إذ يُعيد ذلك اعتراف الجمهور بالجهد البشري المبذول (وفقاً لـ Science Says).
المنطق النفسي وراء هذه الأرقام بسيط لكنه عميق: نحن نُقيّم المحتوى الذي نستهلكه بناءً على قدر الجهد والرعاية والوقت الذي تخيّلنا أن صاحبه أنفقه. حين يعرف المتابع أن الأداة هي من فعلت العمل، يتلاشى ذلك الخيط الخفي الذي يشعره بأن المبدع خاطبه شخصياً. الذكاء الاصطناعي، في المخيلة الجمعية للجمهور حتى الآن، يُساوي “لم يُعِر هذا المحتوى اهتمامه الكافي”.

المثال الأكثر دلالةً في الدراسة هو ما جرّبته مجلة SheerLux للموضة حين أطلقت محتوىً بأفاتارات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي مُعلِنةً عنه صراحةً على صفحتها. النتيجة؟ تفاعل بلغ نصف معدلها الاعتيادي تقريباً، وتعليقات تعكس مشاعر متضاربة. الباحثون يقترحون أن المجلة كان بإمكانها تفادي ذلك لو أوضحت كيف استخدمت الذكاء الاصطناعي تحديداً، وأبرزت الجهد البشري في البحث والتصميم، وربطت المحتوى بموضوعات تقنية في الموضة تُبرر التجريب، فضلاً عن صياغة الرسائل بطريقة تجعل المتابع يفكر في مشاركتها مع الآخرين.
ثمة نقطة مهمة تُشير إليها الدراسة وكثيراً ما تُغفلها النقاشات الدائرة حول هذا الموضوع: ازدواجية المعايير. نحن نرى استخدامنا الشخصي للذكاء الاصطناعي مقبولاً ومبرراً، لكننا نحكم على الآخرين بمعيار مختلف حين يفعلون الشيء ذاته. هذا الفخ النفسي يستحق أن يتوقف عنده كل صانع محتوى قبل أن يُخطط لاستراتيجية الإفصاح.
الدراسة لا تزعم أن النتائج مطلقة. فهي اقتصرت على محتوى صانعي الرأي والمبدعين، ولا يُعرف بعد إن كان الأثر ذاته يسري على المحتوى النصي البحت كالنشرات البريدية، أو على المحتوى الصوتي كالبودكاست. كذلك قد يتباين الأثر بحسب نوع المحتوى؛ فالمؤسسات التي تنشر محتوىً تقنياً أو صحياً أو إعلانياً — حيث يكون الارتباط الشخصي بالمبدع أقل أهمية — قد لا تعاني هذا الأثر بالقدر ذاته. وبطبيعة الحال، المحتوى الذي لا يمكن تمييزه دون وسم بوصفه منتجَ ذكاء اصطناعي يظل بمنأى عن هذه المعادلة كلياً.
التوصية العملية التي تخلص إليها الدراسة ليست “أخفِ استخدامك للذكاء الاصطناعي”، بل اجعل الجهد البشري مرئياً. إن قلت “أمضيت عشرين دقيقة في هذه الصورة واستخدمت هذا النموذج لإضافة مؤثرات خاصة”، فأنت تُعيد للجمهور ما يبحث عنه فعلاً: الإنسان خلف الأداة، لا الأداة وحدها.







