تُحدَّث يومياً

مصدرُك العربي
لمستقبل الذكاء الاصطناعي

أخبار، تقارير، أدوات وتحليلات يومية — كل ما تحتاجه لمتابعة ثورة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية

✅ تم الاشتراك!
أخبار الذكاء الاصطناعي

رقصة السياسة والذكاء الاصطناعي: عندما يلتقي البابا وشارك تانك

🎧 استمع للملخص

بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري

المشهد في فندق والدورف أستوريا بواشنطن الأسبوع الماضي كان أشبه بمسرحية سريالية: نائب البابا في الولايات المتحدة الأسقف غابرييل كاتشيا يحاول إيصال رسالة البابا ليو الرابع عشر حول ضرورة حماية الكرامة الإنسانية قبل الابتكار والربح، بينما الحضور منشغلون بأطباق السلطة والتواصل المهني. في نفس القاعة، كان كيفن أوليري من برنامج شارك تانك يتسلم جائزة من شبكة واشنطن للذكاء الاصطناعي، وحوله رقصة من الروبوتات على عكازات.

هذا التناقض بين الرسالة الأخلاقية للكنيسة وواقع السياسة التقنية يجسد المأزق الحالي لصناعة الذكاء الاصطناعي في واشنطن. حسب تقرير The Verge، البابا لا يحمل قوة القانون ولا يستطيع فرض لوائح مرهقة، وبالتالي لا يمثل أولوية فورية لصناعة التقنية مهما كانت حماسة الجمهور لرسالته “Magnifica Humanitas”.

لكن التحدي الأكبر يكمن في طبيعة إدارة ترامب الثانية التي قلبت قواعد اللعبة السياسية رأساً على عقب. تقليدياً، كانت شركات التقنية تزرع علاقات مع الطرفين الديمقراطي والجمهوري وتحافظ على تلك العلاقات لسنوات دون إغضاب أي طرف. هذا الترف لم يعد متاحاً في واشنطن ترامب، حيث أي دعم سابق للديمقراطيين يُعتبر خيانة حتى لأقطاب التقنية. المثال الأوضح كان تجميد ترشيح الملياردير ورائد الفضاء جاريد إيزاكمان لإدارة ناسا لشهور عديدة بعد اكتشاف ترامب تبرعه السابق لمرشح ديمقراطي.

من جهة أخرى، إذا قدمت الشركات المال لترامب وجعلته يبدو بصورة جيدة، يمكن إقناعه بتلبية كل مطالبهم التنظيمية وإجبار الجمهوريين على الانصياع لرغباته. لكن حتى هذه السيطرة هشة ومتقلبة، كما أظهرت المسرحية المحيطة بالأمر التنفيذي الأخير حول الذكاء الاصطناعي.

في 20 مايو، أفادت عدة منصات إعلامية أن الرئيس ترامب سيوقع قريباً أمراً تنفيذياً ينشئ مجلس مراجعة حكومي للنماذج المتقدمة غير المنشورة، مما يؤخر إطلاقها بحد أقصى 90 يوماً. في اليوم التالي، قرر ترامب عدم التوقيع على الأمر بعد ضغط اللحظة الأخيرة من ديفيد ساكس وإيلون ماسك. ثم عكس قراره مجدداً ووقع الأمر في 2 يونيو بعد ضغط إضافي من وزير الخزانة سكوت بيسنت، لكن مع تغيير الجدول الزمني إلى حد أقصى 30 يوماً بدلاً من 90.

رغم هذه الفوضى والتقلبات، تبقى هناك نقطتان ثابتتان في الزمن يمكن للجميع التخطيط حولهما: كل عامين ستحدث انتخابات فيدرالية في نوفمبر، والفائزون في تلك السباقات سيؤدون اليمين في الكونغرس في يناير التالي. سيحدث حتماً تغيير في توازن القوى، لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بأمان من سيحمل تلك القوة أو شكلها، مما يؤدي إلى سلسلة لا نهائية من المجهول لشركات التقنية.

ماذا لو فقد الجمهوريون مجلس النواب؟ ماذا لو فقدوه بعضو واحد أو 10 أو 20؟ كيف يبدو هذا السيناريو في مجلس الشيوخ؟ أي ديمقراطيين سيسيطرون على أي لجان؟ ماذا لو انتُخب أليكس بوريس؟ ماذا لو أطاح مؤيد لترامب بحليف جمهوري؟ ماذا لو أطاح تقدمي بديمقراطي ودود بسبب شيء لا نتحكم فيه كدعمه لإسرائيل؟ والقائمة تطول.

مصالح صناعة التقنية نفسها قد تصبح قضية محورية في انتخابات التجديد النصفي القادمة. من السهل على الناخب فهم عواقب وقوف مدراء شركات التقنية الكبرى المشهورين خلف ترامب أثناء التنصيب، أو تمثال ذهبي من تيم كوك يغير السعر المتوقع للآيفون، أو شيك من عملاق تقني يمول قاعة أحداث فاخرة. في هذه الدورة، أصبح من الأسهل للناخبين رسم خط مباشر من تلك اللحظات المرئية إلى الحضور المتزايد وغالباً غير المرغوب فيه للذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب حياتهم اليومية.

هنا يصبح مشروع الصحفية مولي وايت الجديد “مراقب تأثير التقنية” مورداً حيوياً لتتبع كل إنفاق صناعة الذكاء الاصطناعي السياسي في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. وايت بدأت المشروع كوسيلة لتتبع إنفاق العملات المشفرة في انتخابات 2024، لكنها أشارت في منشور إعلان التوسع أن سياسات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي مترابطة بلا انفكاك – مترابطة لدرجة أن المانحين والإستراتيجيين الذين يديرون لجان العمل السياسي للذكاء الاصطناعي هم بالضبط نفس الأشخاص.

كتبت وايت: “قد تبدو لجان العمل السياسي مختلفة من الخارج، لكنها بشكل متزايد نفس العملية بأهداف متوائمة: إلغاء تنظيم قطاع التقنية، وتقليص حماية المستهلك، والسماح لشركات التقنية بالحصول على أرباح ضخمة أكبر على حساب الناس العاديين.”

العودة إلى مشهد الوالدورف أستوريا تكشف التناقض الجوهري في موقف واشنطن من الذكاء الاصطناعي. بينما نائب البابا يحاول تذكير الحضور بضرورة حماية الشرط الإنساني قبل الابتكار والربح، كان الجميع منشغلين بدرة السلطة والهمهمة مع زملاء المائدة لأن هذا هو وقت التواصل المهني الأهم. الرسالة واضحة: الصوت الأخلاقي مرحب به كضيف، لكنه ليس صانع القرار في القاعة.

هذا الصمم التكتيكي قد يكون خطأً إستراتيجياً فادحاً. عندما يصوت الناخبون في نوفمبر 2026، لن يتذكروا فقط وقوف مدراء التقنية خلف ترامب، بل سيربطون ذلك المشهد مباشرة بكل تجربة محبطة مع الذكاء الاصطناعي في وظائفهم وتطبيقاتهم وحياتهم اليومية. صناعة تتجاهل الأصوات الأخلاقية اليوم قد تجد نفسها تواجه غضب الناخبين غداً.

The Verge

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى