
بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري
طرح ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لـ Google DeepMind، مقترحاً جريئاً الثلاثاء: إنشاء هيئة معايير مستقلة تتولى مراجعة نماذج الذكاء الاصطناعي الحدية قبل إطلاقها — هيئة تُموّلها المختبرات التقنية ذاتها، لكنها تعمل باستقلالية تامة عن حكوماتها.
جاء المقترح في منشور على X بعنوان “A Framework for Frontier AI and the Dawning of a New Age”، وفيه يرسم هاسابيس نموذجاً مستوحى من هيئة تنظيم الصناعة المالية FINRA الأمريكية، التي تضطلع بالإشراف الذاتي على صناعة الوساطة المالية. بموجب هذا النموذج، تشارك مختبرات الذكاء الاصطناعي الحدية نماذجها مع الهيئة طوعياً لمراجعتها قبل 30 يوماً من الإطلاق، ثم — متى ثبتت فعالية بروتوكول التقييم — تصبح هذه المراجعة إلزامية كشرط للنشر في السوق الأمريكية. ولا تنتهي مهمة الهيئة عند ذلك، إذ تواصل عملها بعد الإطلاق لمعالجة أي ثغرات حرجة تظهر لاحقاً.
الدافع الفوري لهذا الاقتراح هو ما كشفته المراجعات الحكومية الأخيرة لنماذج Anthropic‘s Mythos وOpenAI‘s Sol من قصور واضح. تلك المراجعات واجهت انتقادات حادة بسبب افتقارها إلى الخبرة التقنية الكافية وغموض آليات القرار في تحديد متى يُسمح بإطلاق النموذج. ما يقترحه هاسابيس هو نقل هذه الصلاحيات إلى جهة جديدة تحظى بدعم حكومي، لكنها تُدار باستقلالية وتُموَّل من صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها — وهو نموذج يُذكّر بكيفية عمل FINRA داخل منظومة الأسواق المالية الأمريكية.
السؤال الذي يطرح نفسه: من يعمل في هذه الهيئة؟ يتصوّر هاسابيس طاقماً يضم ممثلين عن المصادر المفتوحة، وخبراء تقنيين من داخل الصناعة، مع إمكانية الاستعانة بمجموعات سلامة الذكاء الاصطناعي المتخصصة لتقييم مخاطر بعينها. “قوة هذا النهج أنه يركّز على الجانب التقني، وفي الوقت ذاته يدعم الابتكار ويحفّز السلوك المسؤول”، كتب هاسابيس، مضيفاً أن الآلية “مصمّمة لمواكبة تسارع المجال وتتكيّف مع أكبر المخاطر فور تحديدها، ويمكن تشديدها إذا اقتضت خطورة الموقف ذلك.”
غير أن هذا الاقتراح يصطدم بجدار سياسي سميك. مستشار البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي سريرام كريشنان، الشريك في شركة a16z، استبعد صراحةً إمكانية إنشاء جهة تنظيمية مماثلة داخل السلطة التنفيذية، قائلاً: “لن تكون هناك FDA للذكاء الاصطناعي.” وفي هذا السياق تحديداً يبرز الذكاء في الهيكل الذي يقترحه هاسابيس: بتأطير الهيئة كمنظمة ذاتية التنظيم — كما هو حال FINRA — يمكن تجاوز مقاومة إدارة ترامب لأي دور تنظيمي حكومي مباشر، وهو رهان حسابي على أن ما لا تقبله السياسة كتنظيم حكومي قد تقبله كتنظيم ذاتي للصناعة.
لكن ثمة توتر حقيقي لا يمكن تجاهله: هاسابيس يقود أحد أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي في العالم، ويقترح منظومة تنظيمية ستُلزم منافسيه — ومختبره — بمعايير تضعها جهة يُفترض استقلاليتها، لكنها ستتلقى تمويلها من الشركات التي تخضع لرقابتها. هذه المعادلة ليست جديدة في عالم التنظيم المالي، لكنها لم تخلُ تاريخياً من إشكاليات تضارب المصالح. ومن المفارقات اللافتة أن الشركات التي قد تستفيد أكثر من هذا التنظيم هي تلك الكبيرة القادرة على استيعاب عبء الامتثال، بينما قد تجد المختبرات الأصغر نفسها أمام حواجز دخول إضافية.
مع ذلك، يصعب الجدال مع المنطق الجوهري للمقترح: إذا كانت حكومة أقل الدول اهتماماً بتنظيم الذكاء الاصطناعي قد أجرت بالفعل مراجعات لنماذج Mythos وSol وثبت قصورها، فالسؤال لم يعد “هل نحتاج إلى رقابة؟” بل “من يملك الخبرة الكافية لممارستها؟” والإجابة التي يقدمها هاسابيس — هيئة تقنية متخصصة ومستقلة هيكلياً — تبدو أكثر واقعية من الانتظار حتى تُطوّر الحكومات هذه الخبرة بنفسها، خاصة في ظل وتيرة إطلاق النماذج الحالية.







