
بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري
المفارقة التي تعيشها الشركات الكبرى اليوم: كلما أرادت توسيع اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، احتاجت إلى المزيد من البشر لإنجاح ذلك. June، الشركة الناشئة التي خرجت من وضعية الشبح الاثنين الماضي، تراهن على أن هذه المعادلة مقلوبة — وأن الذكاء الاصطناعي نفسه يجب أن يكون هو الحل.
جمعت June 20 مليون دولار في جولة تمويل ما قبل البذرة (وفقاً لـ TechCrunch)، قادها صندوق Time Ventures التابع لمارك بينيوف، مؤسس Salesforce، مع مشاركة مايكل ديل وآرون ليفي وجورج كيرتز. والأهم أن الشركة لم تعرض أي شريحة عرض (deck) على المستثمرين، بل اكتفت بفكرتها وسجلها الحافل.
الفريق المؤسس ليس وافداً جديداً على هذا المجال. إيفرات رابوبورت ومؤسسوها المشاركون أوهاد هين وباراك غولدستاين وعيدان تسيتيات سبق أن أسسوا Bonobo AI عام 2017، وهي شركة لغوية ما قبل عصر المحولات أطلقت خدمة تحويل الصوت إلى نص، واستحوذت عليها Salesforce عام 2019. بعد سنوات من العمل داخل العملاق التقني ومشاهدة عملاء يتعثرون في تطبيق الذكاء الاصطناعي على أنظمتهم القائمة، قرروا الاستقلال مجدداً.
المشكلة التي تحلها June ليست نقص النماذج الجيدة، بل ما يقع أسفلها. “قبل أن يخلق الذكاء الاصطناعي قيمة، لا بد أن يتعامل شخص ما مع الأنظمة الموروثة”، تقول رابوبورت. “البيانات مشتتة عبر منصات متعددة مثل Salesforce وServiceNow وDatabricks وWorkday. ثمة سير عمل معقدة وسنوات من الديون التقنية.” بناء قالب وكيل AI أمر سهل — الأصعب هو جعله يعمل مع هذا الفوضى التحتية. كيف يعرف وكيل AI كيف يتصرف حين يجد أمامه 10 حقول بيانات مكررة تعني الشيء نفسه، وفرق مختلفة تستخدم كلاً منها بطريقة مختلفة؟
منصة June تعالج هذا بطريقة منهجية: تفحص أنظمة الشركة الموجودة، تفهم عملياتها التجارية، ترصد نقاط الاختناق، ثم تبني عمليات محسّنة مدعومة بالوكلاء لتحل محلها — مع إشعار تلقائي للفرق عبر قنوات الاتصال الداخلية. الناتج هو خارطة طريق كاملة ومتسلسلة الخطوات: “أزل هذه التكرارات، اربط بمصدر البيانات هذا”، ثم بنقرة واحدة على “بناء” تبدأ June في تنفيذ كل مهمة داخل بيئة المؤسسة.
الشاهد الأبلغ على الفكرة هو ما جرى مع CMG، إحدى كبرى شركات الإقراض العقاري الأمريكية. نقل بول أكينمايد، كبير مسؤولي الاستراتيجية في CMG، هندسة برمجيات شركته بسرعة إلى Claude Code، لكنه اصطدم بجدار عند محاولة دمجه مع Salesforce — وكان قد وعد في مؤتمر Salesforce السنوي بأن يعود بـ100 وكيل يعمل فعلياً. قضى فريقه أسابيع في الاجتماع بالمهندسين المعماريين وخبراء النشر الميداني (FDEs) دون أن يُحرزوا تقدماً يُذكر. June غيّرت المعادلة: أعطتهم رؤية واضحة لأين ينشرون الوكلاء وكيف يفعلون ذلك بأمان، حتى قبل الانطلاقة الرسمية بين الشركتين.
الأهم أن أكينمايد وضع شرطاً صريحاً قبل الشروع في الاختبار التجريبي: “إن كان منتجك يتطلب مهندسين ميدانيين للنشر، فأنا لا أريده. جربت ذلك وأصبحت منزعجاً منه. لا أريد صندوقاً أسود لا يستطيع فهمه إلا أشخاص بعينهم. أريد أداة سهلة الاستخدام”. June نجحت في اجتياز هذا الاختبار.
رابوبورت تصف June بأنها مكملة لمهندسي FDEs والاستشاريين، لكن الواقع يشير إلى شيء آخر: عملاؤها يرون فيها بديلاً يريحهم من الاعتماد على هؤلاء كلياً. وهذا تحديداً هو ما يجعل المنتج ذا وزن حقيقي في سوق يُقدّر فيه الجميع السرعة والاستقلالية — خاصة أن الطلب على مهندسي النشر الميداني بات هوساً حقيقياً للصناعة ومصدر تكلفة متصاعدة لا تستطيع الشركات الاستمرار في تحمّلها.







