
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
ليس كل رهان على المستقبل يؤتي ثماره في الموعد المحدد — وزوكربيرغ أول من يعرف ذلك الآن. في اجتماع داخلي عُقد الخميس، أخبر الرئيس التنفيذي لـ ميتا موظفيه صراحةً بأن تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي لم يتسارع “بالطريقة التي كان المسؤولون يتوقعونها”، وفق ما نقلت رويترز. الاعتراف نادر من شركة أنفقت مليارات وأعادت هيكلة آلاف الوظائف على رهان واحد.
الأرقام هنا لا تحتمل التأويل. في وقت سابق من هذا العام، أقالت ميتا نحو 8,000 موظف — ما يعادل 10% من قوتها العاملة في الشركات — وأعادت توزيع 7,000 آخرين على مجموعات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، من بينها وحدة تحمل اسم “Agent Transformation”، وفقاً لبلومبرغ. كل هذا في سياق خطة واضحة: الاستعاضة عن جزء من البشر بوكلاء ذكاء اصطناعي، وإعادة رسم هيكل الشركة حول هذه الرهانات. غير أن الواقع جاء مختلفاً.
زوكربيرغ لم يكتفِ بالاعتراف بالتأخر، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف عملية التسريح بأنها لم تكن “نظيفة” بالقدر المطلوب. وقال إن القيادة العليا أجرت تلك التخفيضات لأنها “كانت قلقة من أننا لن نتحرك بالسرعة الكافية للتكيف” مع المشهد المتغير في صناعة التقنية. بمعنى آخر: الخوف من التخلف عن الركب دفع إلى قرارات متسرعة، لم تنضج نتائجها بعد. أما المكاسب المأمولة من الهيكل الجديد المحوري حول الذكاء الاصطناعي، فقد قال صراحةً إنها “لم تتحقق بعد”، مع توقع بأن تبدأ الشركة برؤية تحسينات ملموسة خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة.
ما يجعل هذا الاعتراف أثقل وطأةً هو ما تكشفه التقارير الاستقصائية عن الداخل. وصف المهندسون المحولون إلى وحدة الذكاء الاصطناعي الجديدة بيئة عملهم بأنها “غولاغ يسحق الروح” — تعبير قاسٍ يعكس فجوة حقيقية بين الطموح المُعلن وظروف التنفيذ الفعلية. أن تُسرّح الشركة آلاف الموظفين بحجة بناء مستقبل أكثر كفاءة بالذكاء الاصطناعي، ثم يتبين أن وحدة هذا المستقبل تعاني من مشكلات هيكلية وتراجع في الروح المعنوية، فهذا ليس مجرد تأخر تقني — بل هو سؤال إداري عميق.
على الجانب المادي، يبدو أن المشكلة ليست شُحّ الموارد. وفقاً لرويترز، تستعد ميتا للإنفاق ما يصل إلى 145 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا العام وحده. مبلغ خيالي يجعل من فشل وكلاء الذكاء الاصطناعي في التحقق سؤالاً عن الجدوى التقنية نفسها، لا عن الاستثمار. هل المشكلة في النضج التقني للنماذج؟ في صعوبة دمج هذه الوكلاء بالعمليات المؤسسية الفعلية؟ أم أن التوقعات ذاتها كانت مبالغ فيها منذ البداية؟
ما يحدث في ميتا ليس استثناءً معزولاً، بل يعيد طرح السؤال المُلح أمام كل المنظومة التقنية: هل وصل الجيل الحالي من وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى النضج الكافي لتحمّل مهام العمل الحقيقية فعلاً؟ الجواب الصادق — على الأقل من أفواه مسؤولي ميتا — هو لا، ليس بعد. ما يعني أن الشركات التي تراهن اليوم على استبدال الكفاءات البشرية بوكلاء آليين قد تجد نفسها في الموقف ذاته: خسائر بشرية حقيقية، في مقابل وعود تقنية لم تنضج بعد.






