
بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري
منذ 16 يوليو 2026، بات كل منتسب إلى برنامج شركاء يوتيوب أمام خريطة أوضح وأكثر صرامة لما يُسمح بتحقيق الدخل منه وما لا يُسمح. المنصة لم تخترع قواعد من العدم، بل عادت إلى سياسة المحتوى غير الأصيل التي أطلقتها العام الماضي وشرّحتها إلى ثلاث فئات محددة — وهذا التشريح بالذات هو ما يغيّر قواعد اللعبة لكل صانع محتوى يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي.
الفئة الأولى هي المحتوى التكراري والقائم على القوالب: مقاطع تُنتج بالذكاء الاصطناعي أو CGI أو templates دون تنويع حقيقي أو قوس سردي أو بصمة إبداعية شخصية. ما يلفت في هذه الفئة أن يوتيوب وسّع نطاقها لتطال حتى فيديوهات التعليم الإرشادي إن كانت تُعيد إنتاج محتوى موجود مسبقاً على المنصة بدلاً من تقديم منظور أصيل. بمعنى آخر، ليس السؤال هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟ بل هل أضفت شيئاً لم يكن موجوداً؟
الفئة الثانية تستهدف المحتوى المزعج عاطفياً — ما يسميه يوتيوب “المحتوى المنفّر” — وهو المصمَّم لاستدراج المشاهدات عبر التوتر العاطفي. مثّل عليه رئيس الثقة والسلامة في يوتيوب مات هالبرين بمقاطع تُظهر حيواناً في ضائقة ثم يأتي أحدهم لإنقاذه. “سمعنا من مشاهدينا أن هذا النوع يُزعجهم، ويجعلهم يترددون في العودة إلى القناة أو حتى المنصة”، قاله هالبرين صراحةً. القنوات التي تُبني نموذجها على هذا النوع ستُقصى من البرنامج بصرف النظر عن ما إذا كان المحتوى مولَّداً بالذكاء الاصطناعي أم لا — وهذه نقطة مهمة: الحكم هنا على النية والتأثير، لا على الأداة.
الفئة الثالثة هي الأكثر دلالة على المخاوف الهيكلية العميقة: استخدام شخصيات ذكاء اصطناعي لمناقشة موضوعات حساسة كالصحة والمسائل القانونية والشؤون المالية والعلاج الطبي. يوتيوب لا يريد أن يُحفّز ماليًا قنوات تتحدث بلسان “خبير” افتراضي مُركَّب بالذكاء الاصطناعي عن أمور قد تؤثر في قرارات حياتية فعلية. وهذا التوجه ينسجم مع مفهوم YMYL (Your Money Your Life) الذي تعتمده محركات البحث منذ سنوات، لكنه يدخل الآن رسمياً إلى سياسات الإيرادات لا مجرد ترتيب الخوارزميات.
هالبرين وصف الأمر بدقة في فيديو Creator Insider حين قال إن التكنولوجيا ذاتها قادرة على الوجهين: “الذكاء الاصطناعي يُتيح لك إنتاج مقاطع رائعة بحجم أكبر وجودة أعلى، وهذا ما نريد تشجيعه. لكنه أيضاً يُتيح لك نشر كميات ضخمة من المقاطع المتشابهة والفارغة التي تعمل كمزارع محتوى، وهذا ما لا نريده في البرنامج.” ما لم يقله هالبرين صراحةً — لكنه يُقرأ بين السطور — هو أن يوتيوب يحمي إيراداته الإعلانية أولاً.
المنصة تجاوزت في إيرادات الإعلانات كلاً من Disney وParamount وWarner Bros. Discovery (وفقاً لـ TechCrunch)، بل تجاوزت Netflix في متوسط المشاهدة اليومية حول العالم (وفقاً لـ The Guardian). في هذا السياق، أي تدهور في جودة المحتوى يُهدد علاقة المنصة بالمعلنين الكبار الذين هم في الأصل مصدر الجزء الأكبر من دخلها. “مزارع المحتوى” بالنسبة ليوتيوب ليست مجرد تجربة مستخدم سيئة — إنها خطر تجاري مباشر.
المفارقة الحقيقية هنا أن يوتيوب لا يُحارب الذكاء الاصطناعي؛ فهو جزء من مجموعة Google التي تضخ مليارات في تطوير نماذج Gemini وتدمجها في منتجاتها. ما يُحاربه هو الاستخدام الانتهازي للذكاء الاصطناعي — ذلك النمط الذي يستغل الأدوات لا لخلق قيمة، بل لتضخيم الكمية على حساب الجودة واستنزاف النظام الإعلاني. السياسة الجديدة تقول فعلياً: يمكنك أن تستخدم الذكاء الاصطناعي كما تشاء، لكن لن نموّلك إذا استخدمته ضد المنصة وضد المشاهد.
بالنسبة لصنّاع المحتوى العرب الذين يعتمدون على البرنامج، التحدي عملي: الخط الفاصل بين “فيديو تعليمي أصيل” و”محتوى مكرّر” ليس رقمياً دقيقاً — وهالبرين نفسه أقرّ بأن التقدير سيبقى جزئياً ذاتياً، مثلما يقول الجميع عن المحتوى السيئ: “ستعرفه حين تراه.” هذا الغموض المتعمد قد يبدو إشكالياً، لكنه في الحقيقة يعكس طبيعة المشكلة ذاتها: لا توجد معادلة تُميّز الإبداع من الاستنساخ الآلي، وستبقى الحكمة البشرية — مهما كانت غير منضبطة — حكَماً أخيراً.







