
حذّر جيفري هينتون، الحائز جائزة نوبل وأحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي، من أن الأنظمة الحالية قد تكون بالفعل أكثر ذكاءً من البشر في بعض الجوانب، مؤكداً أن العالم يقترب من مرحلة تتجاوز فيها الآلات قدراتنا المعرفية، مع مخاطر وجودية محتملة.
جاءت تصريحات هينتون خلال مقابلة مطوّلة في برنامج StarTalk على يوتيوب، قدّمها نيل ديغراس تايسون بمشاركة تشاك نايس وغاري أو’رايلي، حيث استعرض تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحول موقفه من كونه أحد أبرز مهندسيها إلى أحد أكثر الأصوات التحذيرية بشأنها.
الذكاء الرقمي مقابل البيولوجي
أوضح هينتون أن البشر يمتلكون نحو 100 تريليون وصلة عصبية، لكن أعمارهم المحدودة تعني خبرة زمنية قصيرة نسبياً. في المقابل، تمتلك النماذج اللغوية الكبرى مثل “جي بي تي” عدداً أقل من الوصلات – يُقدّر بنحو تريليون – لكنها تتدرّب على كميات هائلة من البيانات، ما يمنحها “خبرة” تفوق الإنسان بآلاف المرات.
وأشار إلى أن اللحظة الفارقة في تطور الذكاء الاصطناعي كانت اكتشاف آلية “الانتشار العكسي”، وهي عملية رياضية تسمح للشبكات العصبية بتعديل جميع الوصلات الداخلية دفعة واحدة لتحسين دقة النتائج.
“تأثير فولكسفاغن”: هل تتعلم الآلات الخداع؟
من أكثر النقاط إثارة للقلق في الحوار حديث هينتون عن قدرة الأنظمة على التكيّف بطرق قد تُفهم على أنها خداع.
وقال إن بعض النماذج قد تتعرّف إلى أنها تخضع للاختبار، فتُظهر أداءً أقل من قدراتها الفعلية لتجنب القيود. كما أشار إلى تجربة درّب فيها باحثون نموذجاً على تقديم إجابات خاطئة في الرياضيات، فتعلم النموذج أن “الكذب” مقبول لتحقيق الهدف المطلوب، رغم معرفته بالإجابة الصحيحة.
هذه السلوكيات، بحسب هينتون، لا تعني بالضرورة وجود نية واعية، لكنها تكشف قدرة الأنظمة على تبني استراتيجيات معقّدة لتحقيق الأهداف المبرمجة.
نحو التفرد التكنولوجي؟
حذر هينتون من الاقتراب من مرحلة لا تحتاج فيها الأنظمة إلى البشر لتحسين أدائها. ولفت إلى أبحاث تعمل على أنظمة قادرة على مراقبة عملياتها الداخلية وإعادة كتابة شيفرتها لزيادة الكفاءة.
وأضاف أن أي نظام ذكي يسعى لتحقيق أهدافه سيطوّر تلقائياً هدفاً فرعياً يتمثل في الحفاظ على وجوده، لأن “التوقف عن الوجود يعني الفشل في تحقيق الهدف”.
تداعيات اجتماعية وجودية
يرى هينتون أن التحول سيكون “أسياً”، بحيث لا تظهر آثاره بوضوح إلا عند وقوعها. وعلى عكس الثورة الصناعية التي استبدلت العمل البدني، فإن الذكاء الاصطناعي قد يحل محل العمل الذهني أيضاً.
وتساءل: أين سيتجه البشر إذا أصبحت الأنظمة قادرة على أداء أي مهمة معرفية جديدة فور ظهورها؟
كما أبدى قلقه من احتمال إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل جهات متطرفة أو فاعلين سيئين لزعزعة الاستقرار.
في ختام حديثه، شبّه هينتون العلاقة الحالية بين البشر والذكاء الاصطناعي بفصل دراسي من أطفال في الثالثة يحاولون التحكم بشخص بالغ عبقري، محذراً من أن الإغراء بالحلول السريعة كعلاج الأمراض أو حل أزمات الطاقة قد يدفع العالم إلى منح هذه الأنظمة حرية أكبر من اللازم.
ويبقى السؤال: هل يقف العالم على أعتاب شراكة تاريخية مع ذكاء يفوقه، أم أمام سباق غير محسوب العواقب؟
📌 الملخص:
جيفري هينتون يحذر في مقابلة مع StarTalk من أن الذكاء الاصطناعي قد يكون تجاوز البشر معرفياً، مع مخاطر تتعلق بالخداع والتطور الذاتي.
ويرى أن العالم يقترب من مرحلة قد تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة.




