تُحدَّث يومياً

مصدرُك العربي
لمستقبل الذكاء الاصطناعي

أخبار، تقارير، أدوات وتحليلات يومية — كل ما تحتاجه لمتابعة ثورة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية

✅ تم الاشتراك!
الإحصائيات والتقارير

ثلث محادثات ChatGPT تولّد خيالاً أدبياً وفق دراسة جديدة

🎧 استمع للملخص

بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري

ثلث محادثات ChatGPT على الأقل ليست طلبات برمجية أو أسئلة مهنية — بل قصص. دراسة نشرها باحثو arXiv في يونيو 2026 تكشف أن ما يزيد على ثلث المحادثات من أصل أكثر من 500,000 محادثة مجهولة المصدر لمستخدمي ChatGPT تتضمن شكلاً من أشكال توليد الخيال الأدبي، سواء أكانت قصصاً أصيلة، أم لعب أدوار، أم قصص معجبين، أم أدباً إيروتيكياً (وفقاً لأبحاث arXiv). الرقم وحده صادم، لكن ما خلف الرقم أكثر إثارةً للتساؤل.

الدراسة التي أجراها نيل غوبتا وماريا أنتونياك وميلاني والش تستند إلى مجموعة بيانات WildChat المؤلفة من محادثات فعلية لمستخدمين حقيقيين، وهو ما يمنحها مصداقية استثنائية مقارنةً بالدراسات المبنية على سيناريوهات مصطنعة. المنهجية هنا ليست استطلاعاً يسأل الناس عما يفعلونه — بل تحليل لما يفعلونه فعلياً.

من أبرز ما رصدته الدراسة أن هذا الإنتاج الخيالي يهيمن عليه ما وصفه الباحثون بـ”المستخدمين المحترفين” أو كثيفي الاستخدام، وليس المستخدمين العرضيين. بعبارة أخرى، ثمة شريحة من البشر تستخدم ChatGPT كآلة سرد شخصية مستمرة، لا كمساعد يُستدعى أحياناً. ظهر من بين هؤلاء نمط أسماه الباحثون “طالبو القصص اللانهائية”، وهم مستخدمون يطلبون مراراً وتراجعون تكراراً نفس السرديات أو سرديات متقاربة على فترات زمنية ممتدة — وكأن المحادثة مع LLM باتت نوعاً من الهواية المنظّمة، لا مجرد أداة.

تميّزت قصص المعجبين والأدب الإيروتيكي بحضور لافت بين الأنماط التي رصدها الفريق. وهذا ليس مفاجئاً إذا قرأناه في سياق تاريخ الإنترنت: فمنصات مثل Archive of Our Own وWattpad أثبتت مبكراً أن هناك طلباً هائلاً على الخيال الشخصي والمحتوى التفاعلي خارج الأطر التجارية التقليدية. الفارق الآن أن الذكاء الاصطناعي يلغي حاجز الكتابة، ويحوّل المستخدم من قارئ إلى مشارك فعلي في بناء القصة.

على المستوى النظري، يطرح الباحثون استفزازاً مفاهيمياً جوهرياً: هل نحن أمام ظهور ما يسمونه “القارئ-الكاتب الانعزالي”؟ الفكرة هي أن المستخدم يولّد المحتوى ويستهلكه في حلقة محادثة مغلقة مع آلة، بدلاً من التفاعل مع كاتب بشري أو قارئ آخر. هذا تحوّل بنيوي في العلاقة التقليدية بين المؤلف والقارئ التي صمدت قروناً — العلاقة التي افترضت دائماً وجود “آخر” تخاطبه النص.

يرصد الباحثون كذلك أن المستخدمين يميلون بوضوح نحو السمات التالية في طلباتهم: التعميم والأشكال الأدبية المألوفة، التكرار مع تعديلات طفيفة، الفورية في التلقي، والجمع غير المألوف بين عناصر متباينة في قصة واحدة. هذه الأنماط تشبه بنيوياً الأشكال الثقافية الطلبية المخصصة مثل البث المستمر والمحتوى المُقنَّن — حيث يُزوَّد المستهلك بالضبط بما يريد، متى يريد.

ما تفتحه الدراسة على صعيد التداعيات أوسع من مجرد رسم صورة لعادات المستخدمين. إذا كان ثلث تفاعلات ChatGPT خيالياً أدبياً، فهذا يعني أن نسبة ضخمة من الطاقة الحوسبية لأكبر نموذج لغوي في العالم تُستنزف في توليد قصص — لا في الإجابة على أسئلة طبية أو حل مسائل برمجية. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول كيف تُصمَّم نماذج LLM مستقبلاً، وما الأوزان التي تُعطى لقدرات السرد مقابل الاستدلال المنطقي والدقة المعلوماتية. يمكن هنا استحضار ما طرحناه في تغطيتنا حول أخطاء نماذج LLM في قراءة البيانات: حين يتدرّب النموذج على كميات هائلة من السرد الخيالي الذي يولّده المستخدمون أنفسهم، قد تتأثر قدرته على التعامل مع الحقائق المنظّمة.

يضع الباحثون هذه النتائج في سياق تحولات أشمل في مشهد الإعلام والأدب، من النشر الذاتي إلى قصص المعجبين إلى الإنتاج الإباحي الرقمي — وكلها نماذج انبنت على الفجوة بين ما يتيحه الإنتاج التقليدي وما يشتهيه الجمهور فعلياً. الذكاء الاصطناعي لا يخترع هذه الرغبات؛ هو يزيل آخر عائق أمام إشباعها. السؤال الحقيقي الذي لا تجيب عنه الدراسة — ويصعب الإجابة عنه — هو: ماذا يحدث لمخيلة القارئ حين لا يعود مضطراً إلى بناء الصورة بنفسه؟

arXiv

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى