
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
مكاتب الكونغرس الأمريكي لا تكتفي اليوم بالذكاء الاصطناعي لصياغة خطب النواب، بل باتت توظّفه في مراسلة الناخبين وإعداد تعديلات تشريعية تجد طريقها مباشرةً إلى مشاريع قوانين رسمية. وفقاً لصحيفة واشنطن بوست، ظهر نموذج صارخ على هذا التحوّل في قانون الدفاع السنوي، حين قدّم مكتب النائبة آنا باولينا لونا تعديلاً مرفقاً بملخّص آلي لمضمونه — وهو مؤشر على أن المواد المُنتجة بالذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد مسوّدات داخلية، بل أصبحت تدخل الأروقة التشريعية مباشرةً.
ما يجعل هذا الوضع بالغ الخطورة ليس التقنية ذاتها، بل الفجوة بين سرعة تبنّيها وبطء الرقابة التشريعية عليها. الموظفون في مكاتب الكونغرس يحتاجون هذه الأدوات ويستخدمونها لأنها توفّر وقتاً حقيقياً، لكن الأطر القانونية المنظّمة لهذا الاستخدام تكاد تكون معدومة. أيّ خطأ يرتكبه النموذج اللغوي — في تفسير بند قانوني، أو في صياغة موقف سياسي — يمكنه التحوّل من شاشة لابتوب إلى وثيقة رسمية قبل أن يتفطّن أحد إلى الأمر.
الحجة المقابلة ليست غائبة؛ المؤيدون يرون أن الأدوات التكنولوجية دخلت إلى التشريع منذ عقود، وأن الذكاء الاصطناعي ليس سوى امتداد طبيعي للمساعدة البحثية. غير أن هذه المعادلة تتجاهل فارقاً جوهرياً: محرك البحث لا يُنشئ رأياً، أما النموذج اللغوي فيُنتج نصاً جاهزاً يُعيد صياغة المعنى ويختار الكلمات ويُرجّح المواقف. حين يقرأ ناخب ردّاً على رسالته من نائبه، هل يعلم أن النص كتبه نموذج لغوي تدرّب على مليارات الكلمات لا على تفاصيل دائرته الانتخابية؟
المشكلة العميقة هنا ليست الأخطاء الواقعية فحسب، بل إشكالية المساءلة. حين يُسنّ قانون استناداً إلى مواد أعدّها الذكاء الاصطناعي دون إفصاح، من يتحمّل المسؤولية إذا ثبتت خسائر لاحقة؟ الموظف الذي لم يراجعه بدقة؟ النائب الذي لم يسأل عن مصدر النص؟ أم شركة الذكاء الاصطناعي التي وفّرت الأداة؟ في غياب قواعد إفصاح واضحة، تتبخّر هذه المسؤولية في الفراغ.
الموقف الأكثر مصداقيةً هنا ليس المطالبة بحظر هذه الأدوات، لأن ذلك الحظر سيُخفق ببساطة؛ الموظفون سيواصلون استخدامها بصرف النظر عن أي توجيه رسمي. المطلوب بدلاً من ذلك أن تُلزَم المكاتب التشريعية بالكشف عن أي مساهمة للذكاء الاصطناعي في المواد التي تلامس التشريع أو التواصل العام مع المواطنين — وأن تُحدَّد جهة بعينها مسؤولة عن مراجعة هذه المخرجات والتحقق منها قبل أن تخرج من الباب. الإفصاح وحده لن يحل الأزمة، لكنه الخطوة الأولى نحو إعادة المساءلة إلى المعادلة.
المفارقة اللافتة أن المؤسسة التشريعية الأكثر قدرةً على وضع ضوابط للذكاء الاصطناعي على مستوى الدولة، هي نفسها التي تتلقّى اليوم ضغوطاً داخلية مباشرة من هذه الأدوات دون إطار تنظيمي يحكمها. السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُسهم في صياغة القوانين — هو يفعل ذلك الآن — بل هل ستُدار هذه المشاركة بشفافية أم ستظل خفيّةً حتى يقع الضرر.






