
بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري
خفّضت OpenAI سعر نموذجها GPT-5.6 Luna بنسبة 80%، من دولار واحد إلى 0.20 دولار لكل مليون رمز إدخال، ومن 6 دولارات إلى 1.20 دولار لكل مليون رمز إخراج (وفقاً لـ Ars Technica). في الوقت ذاته، أطلقت Anthropic نموذج Claude Opus 5 بسعر 5 دولارات لكل مليون رمز إدخال و25 دولاراً للإخراج، أي بنصف سعر نموذجها الأقوى Fable 5، فيما تراجعت عن خطط رفع الأسعار المقررة لنموذج Sonnet 5 في سبتمبر (وفقاً لـ Ars Technica). هذان القراران ليسا مجرد تعديل تجاري عادي؛ إنهما إقرار ضمني بأن المنافسة الصينية لم تعد نظرية.
مؤشر أسعار الرموز الصادر عن Silicon Data يرصد الصورة الأوسع: انخفضت الأسعار التي يدفعها العملاء لنماذج المختبرات الأمريكية الكبرى بما يقارب ربع قيمتها منذ منتصف يوليو (وفقاً لـ Ars Technica). ما الذي حرّك هذا الانخفاض الحاد في زمن قصير؟ شركات من حجم DoorDash وAirbnb أعلنت صراحةً أنها باتت تستخدم نماذج صينية الصنع سعياً لخفض فواتيرها. هذا الانزياح في قرارات الشركات الكبرى يشرح لماذا تتصرف OpenAI وأنثروبيك بهذا القدر من الاستعجال، وهما تستعدان في الوقت ذاته لطروحات عامة أولية بتقييمات تريليونية.
الضغط جاء من اتجاهين متزامنين: أولاً، تحوّل بعض عملاء المؤسسات من الاشتراكات الثابتة إلى نماذج الدفع حسب الاستخدام، مما كشف الحجم الحقيقي للفواتير ودفع الشركات إلى فرض سقوف على استهلاك الذكاء الاصطناعي. وثانياً، نجحت المختبرات الصينية كـDeepSeek وMoonshot في تضييق الفجوة الأدائية مع نماذج أمريكية مقابل أسعار أقل بكثير، مع ميزة إضافية: نماذجها “مفتوحة” يمكن تحميلها وتخصيصها مباشرة من قِبل المطورين، وهو ما لا تقدمه OpenAI وأنثروبيك في نماذجهما المغلقة.
لكن هل الأرقام الإعلانية تقول كل شيء؟ ليس بالضرورة. Artificial Analysis، التي تقيس النماذج عبر معايير الرياضيات والعلوم والبرمجة والاستدلال، وجدت أن Opus 5 عند ضبط الجهد على “متوسط” يقدّم أداءً وتكلفة لكل مهمة مماثلَين لنموذج Kimi K3 من Moonshot عند ضبطه على “أقصى” مستوى (وفقاً لـ Ars Technica). أما GPT-5.6 Luna عند أقصى جهد فيؤدي أداءً مشابهاً لـDeepSeek V4 Flash عند أقصى جهد، لكنه يكلّف ما يقارب ضعف التكلفة لإنجاز المهمة ذاتها. بمعنى آخر، السعر المُعلَن للرمز الواحد لا يكفي وحده للحكم؛ النموذج الأغلى قد ينهي المهمة بعدد أقل من الرموز أو بمحاولة واحدة بدلاً من عدة محاولات، فتنعكس المعادلة.
ما يُقلّص هامش المناورة أمام المختبرات الأمريكية هو أن التخفيضات الأخيرة طالت الطبقة المتوسطة من النماذج حصراً، لا القمة. مانتاس لوكاوسكاس، مسؤول تقنيات الذكاء الاصطناعي في Hostinger -مزود استضافة يستخدم نماذج اللغة الكبيرة منذ 2020- لاحظ أن أسعار النماذج الأفضل أداءً “ثابتة بل في ارتفاع”، ووصف التغييرات الأخيرة بأنها “الاختبار الحقيقي الأول” لقدرة هذه المجموعات على حماية سعر عروضها المتقدمة. خلاصته واضحة: “المختبرات الأمريكية قطعت الوسط وتحمي القمة.” هذه ليست مجرد استراتيجية تسعير، بل رهان وجودي: إذا أثبتت النماذج الصينية أنها قادرة على سد الفجوة في القمة أيضاً، يصبح السقف الدفاعي بلا سقف.
المشهد يضع المطورين والمؤسسات أمام حسابات لم تكن واردة قبل عام. المختبرات الأمريكية تراهن على أن التفوق في الأداء عند الذروة يبرر فارق التكلفة، بينما يراهن المنافسون الصينيون على أن “جيداً بما يكفي وبسعر أقل” هو ما تحتاجه غالبية حالات الاستخدام الفعلي. ومع اقتراب طروحات OpenAI وأنثروبيك في الأسواق العامة، يصبح ربح هذا الرهان شرطاً ضرورياً لتبرير التقييمات التريليونية، لا مجرد أفضلية تنافسية.
Ars Technica / Financial Times






