
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
ارتفع معدل البطالة في صفوف الأمريكيين بين 18 و24 عاماً بمقدار 2.9 نقطة مئوية بين أبريل 2023 وديسمبر 2024، لا بسبب موجة الذكاء الاصطناعي التي تُلقى عليها المسؤولية عادةً، بل بسبب تراجع عدد الوظائف المتاحة أصلاً (وفقاً لبلومبرغ). هذا ما خلصت إليه دراسة حديثة أصدرها بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، وهي تعيد توجيه النقاش بعيداً عن الذعر التكنولوجي نحو حقيقة اقتصادية أكثر مباشرة.

الرقم الفاصل في الدراسة هو المقارنة بين عاملَين: شُح فرص العمل أسهم بـ2.9 نقطة مئوية في ارتفاع البطالة، في حين لم يُسهم تحوّل أصحاب العمل نحو المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي سوى بـ1.1 نقطة مئوية (وفقاً للدراسة ذاتها). بمعنى آخر، تأثير الذكاء الاصطناعي أكثر من ضعف تأثير العرض الوظيفي على بطالة الشباب — لكن بالاتجاه المعاكس لما يُروَّج له.
الدراسة لا تُنكر أن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل سوق العمل؛ فالـ1.1 نقطة مئوية التي يُمثّلها تأثير تحوّل المهارات رقم حقيقي وليس هامشياً، وهو ما توصفه الدراسة بأنه “مهم”. لكن المشكلة الأعمق هي أن الاقتصاد الأمريكي ببساطة لا يُنتج ما يكفي من فرص العمل لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهذا قيد هيكلي لا تقنيّ.
ما يجعل هذه النتيجة لافتة هو السياق الذي تأتي فيه: في كل مرة يرتفع فيها معدل بطالة الشباب، تكون رواية “الذكاء الاصطناعي يسرق الوظائف” جاهزة للتداول. الدراسة لا تقول إن هذه الرواية كاذبة تماماً، لكنها تضعها في مرتبة ثانية خلف واقع أقل جاذبية إعلامياً: ركود التوظيف. حين تُغلق الشركات أبوابها أمام التوظيف أو تُبطئ وتيرته، يدفع الشباب الثمن الأعلى لأنهم آخر من يُوظَّف وأول من يُستغنى عنه في الدورات الاقتصادية الضعيفة.
للباحثين والمطورين في المنطقة العربية الذين يتابعون مسار سوق العمل التقني عالمياً، تُقدّم هذه الدراسة إشارة مزدوجة: الضغط على مهارات الذكاء الاصطناعي حقيقي ولا يمكن تجاهله، لكن الرهان الوحيد على تعلّم LLMs أو fine-tuning لن يُحلّ معضلة سوق وظائف يعاني من شُح في الطلب الكلي. المسألة ليست مسألة مهارات فحسب — إنها مسألة اقتصاد كلي.







