
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
قبل أشهر قليلة، كانت الشركات تُنشئ لوحات متصدرين داخلية لمكافأة الموظفين الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي. اليوم، تُعقد الاجتماعات الطارئة لوقف هذا الاستخدام بالذات. هذا التحوّل المتسارع ليس مصادفة، بل هو فاتورة متأخرة لنموذج أعمال بُني على الحماس قبل الحساب.
الحادثة الأبرز جاءت من شركة الاستشارات العملاقة Accenture، التي تسرّبت تسجيلات صوتية من اجتماع داخلي حديث يكشف محاولاتها لوقف استنزاف موظفيها لاحتياطيات الـ tokens — وذلك في مهام بسيطة كتحويل ملفات PDF إلى شرائح عروض تقديمية. ما يجعل هذا الكشف لافتاً هو أن Accenture نفسها كانت قد هدّدت موظفيها بأنهم “سيُحرمون من الترقيات” إن لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي بكثافة. الشركة التي بنت ثقافة داخلية على التسابق نحو الاستخدام، تجد نفسها الآن أمام تكلفة لم تحسبها.
قائد استراتيجية الذكاء الاصطناعي الوكيل في Accenture، Justice Kwak، قال في ذلك الاجتماع بصراحة: “نصل إلى نقطة تحوّل حيث بات الذكاء الاصطناعي مادياً في هيكل التكاليف. الإنفاق بات غير قابل للتنبؤ، والقيادة — خاصة على مستوى CFO وCOO وCIO — لا تزال تسأل: هل نحصل على قيمة مقابل ما ننفقه على الذكاء الاصطناعي؟” هذا السؤال، الذي كان يُعدّ حتى وقت قريب علامةً على قِصَر نظر، أصبح اليوم السؤال الأكثر شرعية في غرف الاجتماعات.
المشكلة في جوهرها ليست تقنية بل سلوكية. حين شجّعت صناعة الذكاء الاصطناعي الشركات على استنزاف ميزانياتها بالكامل في وقت سابق من هذا العام، كان المنطق الضمني أن الاستخدام المكثف سيُثبت قيمة الأدوات. لكن هذا المنطق أنتج ظاهرة “tokenmaxxing” — أي استهلاك أقصى قدر من الـ tokens بغض النظر عن الحاجة الفعلية — حيث يُشغّل الموظف نماذج لغوية ضخمة لإنجاز مهام كان يمكن إنجازها بأداة مجانية أو بضع دقائق من العمل اليدوي. أما أمازون فقد حذفت لوحة المتصدرين التي أنشأتها للمطورين لتشجيع استخدام الذكاء الاصطناعي، في اعتراف ضمني بأن التلعيب لم يكن الأداة الصحيحة لقياس القيمة.
ما يحدث يكشف تناقضاً بنيوياً في نموذج الأعمال الحالي للذكاء الاصطناعي. الشركات المزوّدة تكسب بالاستخدام، وبالتالي كان من مصلحتها تشجيع أقصى استهلاك ممكن. لكن الشركات المستخدِمة دفعت ثمناً حقيقياً دون عائد واضح، وهذا بالضبط ما يقف خلف ما بات يُعرف بـ”AI selloff” — موجة خسائر طالت شركات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالذكاء الاصطناعي في الأيام الأخيرة، وضربت بشكل خاص صانعي رقائق الذاكرة. ميتا أيضاً دخلت في هذا التحوّل، إذ اتخذت خطوات لتقليص استخدام موظفيها للذكاء الاصطناعي مع بلوغ التكاليف مستويات قياسية تُقدَّر بمليارات الدولارات.
الخطأ لم يكن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الطريقة التي قاست بها الشركات نجاحه. حين يُصبح عدد الـ tokens المُستهلَكة مقياساً للأداء، تنتهي بك إلى موظف يُوظّف GPT-4 لتنسيق رسالة بريد إلكتروني من سطرين. المشكلة ليست الأداة — المشكلة أنك بنيت حوافز تكافئ الاستهلاك لا الإنتاجية. وحين تُعلن الشركة أن التقاعس عن استخدام الذكاء الاصطناعي يُكلّف الموظف ترقيته، فأنت لا تبني ثقافة ابتكار، بل تبني ثقافة إثبات وجود.
المرحلة المقبلة ستكون مختلفة. “ترشيد الـ tokens” ليس تراجعاً عن الذكاء الاصطناعي، بل هو النضج الذي كان يجب أن يسبق موجة الإنفاق الأولى. السؤال الذي يجب أن تطرحه كل شركة الآن ليس “هل يستخدم موظفوك الذكاء الاصطناعي؟” بل “هل يحلّ استخدام الذكاء الاصطناعي مشكلة حقيقية بتكلفة أقل من بدائلها؟” الفرق بين السؤالين هو الفرق بين التبذير والاستثمار.







