
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
لم يُكمل كريس فول فصلاً دراسياً واحداً في منصبه. المسؤول الثالث الذي يتولى قيادة مركز معايير الذكاء الاصطناعي والابتكار (CAISI) خلال أشهر قليلة، استقال بعد ثلاثة أشهر فقط من تعيينه، دون أن يُعلن عن أي سبب. والمؤسسة التي يُفترض أن تضع معايير الذكاء الاصطناعي وتختبر نماذجه في الولايات المتحدة تبدو اليوم أقرب إلى كرسي موسيقي دائم الحركة منها إلى جهة تنظيمية راسخة.
التسلسل الزمني يستحق التوقف. رحل رأس المال المغامر ديفيد ساكس من موقعه بوصفه “قيصر الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة” في البيت الأبيض في مارس. بعده بأسابيع، عُيّن كولين بيرنز خلفاً له على رأس CAISI، ثم غادر في أقل من أسبوع بحسب ما أفادت صحيفة واشنطن بوست، التي أشارت إلى أنه أُقيل لأن إدارة ترامب كانت في خضم صراع مع شركة Anthropic، التي سبق لبيرنز أن عمل فيها. ثم جاء فول، الذي كان مديراً لمكتب العلوم في وزارة الطاقة خلال ولاية ترامب الأولى، وشغل منصب المدير القائم لوكالة مشاريع الطاقة المتقدمة (ARPA-E)، وعمل قبلها في مكتب أبحاث البحرية — سيرة ذاتية رصينة في خدمة المؤسسة الفيدرالية. لكن ذلك لم يُطِل إقامته.
ما يُعقّد المشهد أن CAISI ليست هيئة رمزية. تعمل تحت مظلة المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST)، وهي الجهة المعنية بوضع المعايير التقنية لنماذج الذكاء الاصطناعي، واختبار طرق كشف المخاطر، وتقييم الثغرات الأمنية. ومع ذلك، حين أصدر البيت الأبيض هذا الشهر أمراً تنفيذياً لبرنامج “النسر الذهبي” للأمن السيبراني — الذي يُنشئ مركزاً لتنسيق الثغرات يضم وزارة التجارة ووزارة الأمن الداخلي وجهات فيدرالية متعددة — لم يُذكر CAISI من بين هذه الجهات. كما أشارت CNBC، غياب المركز عن مشروع بهذا الحجم يطرح أسئلة حقيقية عن دوره الفعلي في المنظومة.
في الخلفية تتراكم قضايا تستدعي تحديداً هذا النوع من الجهات. في يونيو، استُخدمت توجيهية غامضة للتحكم في الصادرات لإجبار Anthropic على سحب نموذجَي Mythos وFable من السوق. رُفع الحظر بنهاية الشهر ذاته بعد أن أعلن وزير التجارة هوارد لوتنيك قناعته بخطط السلامة التي قدّمتها الشركة — قرار بدا انطباعياً أكثر منه مؤسسياً. وفي الوقت نفسه، دعا ديميس حسابيس، الرئيس التنفيذي لـ Google DeepMind، إلى إنشاء هيئة معايير مستقلة تديرها الصناعة لتنظيم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة على غرار FINRA — وهو بالضبط الدور الذي نشأ CAISI من أجله.
لا يقتصر الأمر على الفراغ في القمة. نشر CAISI تقارير تقييم لنماذج صينية مفتوحة المصدر كـ GLM-5.2 من Z.ai وDeepSeek V4 Pro، لكنه لم يُفصح عن منهجية اختباراته. وكانت TechCrunch قد أرسلت استفسارات متعددة إلى وزارة التجارة و NIST منذ 9 يوليو بشأن آلية تقييم نماذج اللغة الكبيرة (LLM)، دون أن تتلقى رداً حتى الآن. الصمت نفسه يُعبّر.
في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أعاد نموذج Kimi الجديد من مختبر Moonshot الصيني تسليط الضوء على معضلة النماذج المفتوحة، بعد أن أظهر أداءً منافساً لأبرز النماذج الأمريكية. وتداولت تقارير بحث الإدارة عن آليات لحظر النماذج الصينية مفتوحة الأوزان — فكرة رفضها ساكس نفسه، معتبراً إياها حمايةً تجارية لمصلحة المختبرات الأمريكية المغلقة لا سياسةً أمنية.
هنا تتضح طبيعة الأزمة: الولايات المتحدة تدير ملفات الذكاء الاصطناعي الأكثر تعقيداً — معايير السلامة، واختبار نماذج النخبة، وضبط الصادرات، ومواجهة المنافسة الصينية — في غياب شبه تام لاستمرارية المؤسسة المعنية بها. ثلاثة قيادات في ثلاثة أشهر، جهة غائبة عن التشريعات التي تحمل توقيعها الطبيعي، وأسئلة عن المنهجية لا تجد من يجيب عنها. ربما تُنجز إدارة ترامب مهام الذكاء الاصطناعي بأدوات أخرى — لكن CAISI الذي بنت عليه الصناعة جزءاً من ثقتها بدأ يبدو كياناً اسمياً أكثر من كونه ركيزةً تنظيمية.







