
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
بعد عشرين عاماً في Google، لم يمضِ أسبوع واحد على رحيل فينت سيرف — أحد المهندسين الذين بنوا بروتوكولات الإنترنت المفتوح — حتى أعلن انضمامه مستشاراً لشركة Innovation Labs، وهي ذراع تابعة لشركة Identity Digital المتخصصة في تسجيل أسماء النطاقات. المهمة: وضع معمارية مفتوحة تمنح وكلاء الذكاء الاصطناعي هويةً قابلةً للتحقق على الإنترنت العام.
المشكلة التي تحاول Innovation Labs معالجتها ليست تقنية بحتة، بل هي في جوهرها سؤال عن المساءلة. معظم وكلاء الذكاء الاصطناعي اليوم يعملون داخل أنظمة مغلقة، يستدعون موارد داخلية لأغراض محددة. لكن الشركات تتخيل بالفعل عالماً يتحرك فيه هؤلاء الوكلاء بحرية عبر الإنترنت، ويتفاعلون مباشرةً مع بعضهم البعض دون وساطة بشرية. حين يحدث ذلك، من يضمن أن الوكيل الذي يطرق بابك الرقمي هو فعلاً من يدّعي أنه؟ ومن يتحمل تبعات ما يفعله؟
اقتراح الشركة هو DNSid، نظام يربط هوية كل وكيل بنطاق إنترنت قائم، مع إثباتات تشفيرية تسجّل عمليات التسجيل عبر الزمن. الفكرة تستعير من بنية DNS التحتية الموجودة أصلاً، بدلاً من بناء طبقة هوية من الصفر. وتقول الرئيسة التنفيذية المؤقتة آلي كلاين إن الشركة تختبر المعيار حالياً مع عدد من شركات hyperscaler وشركات هوية لم تُكشف أسماؤها بعد، وفق (TechCrunch).
سيرف يرى في المسألة تعقيداً أعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى. “ما الصلاحيات التي يملكها الوكيل؟ من أين اشتق تلك الصلاحيات؟ من المسؤول عن سلوكه؟ وكيف نثق بهويته؟” هذه الأسئلة، كما يقول، ستكون أكثر تعقيداً من أسئلة النطاقات التقليدية، لأن الوكيل كيان نشط يتصرف، لا مجرد عنوان ساكن يُحال إليه. وما يزيد الأمر صعوبةً أنه لا يتضح بعد ما الالتزام الذي تُقرّه منظمة ما حين تسجّل وكيلاً باسمها.
ثمة رهانات متشابكة تجعل هذا النقاش سياسياً قبل أن يكون تقنياً. مشهد المعايير اليوم يشبه الفوضى المنظمة: حلول متعددة تتنافس دون توافق. سيرف يرى أن المخرج ليس الإقناع، بل الضغط من المستخدمين — وهو بالضبط ما فرض TCP/IP معياراً عالمياً قبل عقود. “شركة X تستخدم تقنية وكيل Y، وشركة A تستخدم تقنية وكيل C، ثم يعجزان عن التواصل مع بعضهما. لا أحد يستطيع فعل كل ما تريد من كل وكيل، وستضطر المنافع في النهاية إلى فرض الحل”، كما يقول.
لكن ما الذي يجعل اقتراح Innovation Labs مختلفاً عن محاولات التوحيد السابقة التي ابتلعتها شركات كبرى؟ كلاين تطرح الإجابة صراحةً: Innovation Labs لا تخطط لامتلاك بيانات التسجيل ولا لبناء أي نشاط تجاري موازٍ في الذكاء الاصطناعي. “هناك رفض واسع لأي معيار يُطلقه hyperscaler ويحتفظ بالبيانات الملكية”، تقول كلاين. ارتداؤها لقبعة الحياد قد يكون ميزة حقيقية — أو قد يعني ببساطة أن الشركة ليست كبيرة بما يكفي لفرض أي شيء.
سيرف نفسه يرفض الحتمية. حين سُئل عن مستقبل الاقتصاد القائم على الوكلاء، قال: “لا أعتقد أنه محتوم. لكن ما أعتقده محتوماً هو أن الناس سيحاولون ذلك. نحن كائنات كسولة في الأصل، وإن وجدنا وكيلاً يؤدي المهمة عنا، فمن المرجح جداً أن نختار ذلك لأنه ببساطة أسهل.” هذا الصدق غير المعتاد من أحد آباء الإنترنت يحمل تشخيصاً دقيقاً: الاقتصاد الجديد لن يُبنى على الحماس التقني، بل على الكسل البشري — وهذا الدافع عادةً لا يحتاج إقناعاً.
المعركة الحقيقية ليست على التقنية — DNSid مقترح في IETF وتفاصيله متاحة. المعركة على الاعتماد. إن فشلت Innovation Labs في استقطاب الشركات الكبرى قبل أن يتوصل أحد hyperscalers إلى معيار موازٍ ويفرضه بقوة سوقه، فإن الإنترنت المفتوح قد يجد نفسه مجزأً بين هويات وكلاء متنافرة لا تتحدث مع بعضها — وهو بالضبط السيناريو الذي يريد سيرف تجنبه.






