
الحجة ليست أن الناس لا يفهمون الذكاء الاصطناعي، بل أن تكاليفه فردية وملموسة وفوائده تجميعية وبعيدة، ومراكز البيانات هي نقطة الضغط الوحيدة المتاحة.
ضمن ملف: نماذج الذكاء الاصطناعي، الذكاء الاصطناعي في الخليج
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
المصدر الأساسي: Towards Data Science
لماذا يهم
من يبني منتجات أو مراكز بيانات يتعامل مع جمهور قرّر مسبقاً أن الكلفة تفوق المنفعة، وهذا يترجم إلى تصاريح مرفوضة وسياسات محلية مقيّدة وسمعة سلبية تصعب معالجتها بالتسويق.
استطلاع رأي وطني في الولايات المتحدة أظهر أن الناخبين يفضّلون سلطة الهجرة والجمارك ICE على الذكاء الاصطناعي، أي أن التقنية الأكثر تمويلاً في العالم صارت أقل شعبية من جهاز حكومي مثير للانقسام، (بحسب The Verge نقلاً عن استطلاع NBC News). ومعه بيانات Gallup التي تشير إلى أن تبنّي الجيل Z للذكاء الاصطناعي مستقرّ بينما الشكوك تتصاعد، (بحسب Gallup). الاستخدام اليومي والكراهية يتقدّمان معاً، وهذه المفارقة هي جوهر ما تحاول ستيفاني كيرمر تفسيره في مقال تحليلي نشره موقع Towards Data Science. وهو مقال رأي لكاتبة واحدة تعمل في هندسة البيانات، لا دراسة محكّمة، فلنقرأه بهذا الميزان.
الأطروحة المركزية بسيطة وغير مريحة لصناعة الذكاء الاصطناعي: الرأي السلبي مدفوع أساساً بتجارب شخصية سيئة، وليس بنقص المعرفة. تجربة سيئة واحدة لا تصنع حركة احتجاج، لكن اجمعها مع تكاليف مادية ملموسة تتحملها المجتمعات المحلية، ومع غياب قيمة عملية واضحة في المقابل، فالنتيجة المنطقية أن يسأل الناس: لماذا نسمح ببنية تحتية ضخمة في مدينتنا لتشغيل تقنية نعتقد أنها تضرّنا؟ وترفض كيرمر بحسم محاولات الصحافيين والسياسيين اختزال المسألة في عامل واحد، سواء كان فواتير الكهرباء، أو محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء الذي يغرق منصات التواصل، أو ضجيج مراكز البيانات، أو روبوتات المحادثة التي تُجزم بمعلومات خاطئة، أو مليارديرات القطاع الذين يتنقلون بالطائرات الخاصة بينما ترتفع أسعار البقالة، أو بلديات تُسلّم موارد محلية لمصالح شركات دون استشارة سكانها.
القياس الذي تستخدمه الكاتبة مقنع: هو نفس السؤال الذي يحيّر المحللين حين يتساءلون لماذا معنويات المستهلك الأمريكي في أسوأ حالاتها رغم أن مؤشرات الاقتصاد الكلي لا تقول ركوداً. الرأي لا يُبنى من متوسطات، بل من أسعار الوقود التي ترونها بأعينكم، ومن غياب علاوة هذا العام، ومن خبر تسريح يمسّ قريباً أو صديقاً. الناس يربطون الأحداث ببعضها لأنهم يبنون عالماً متماسكاً يفسّر ما يجري لهم، والذكاء الاصطناعي دخل هذا العالم في أسوأ لحظة اقتصادية ممكنة.
أوضح مثال في المقال هو مكان العمل. السردية المسيطرة هي «الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظيفتك»، وموظفو المكاتب تحديداً يعيشون تسريحات ينسبها المديرون إلى الذكاء الاصطناعي. وهنا تقدّم كيرمر ملاحظة مهمة: كثير من هذه التسريحات محاولات لرفع سعر السهم أكثر من كونها نتيجة نجاح تقني حقيقي، لكن الشركات تُلقي اللوم على الذكاء الاصطناعي، فتصبح تلك هي الرواية الراسخة. وهذا تفسير ترجيحي من الكاتبة لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل. ثم يأتي التناقض الذي يشعر به كل موظف: إدارة تقول «إن لم تستخدم الذكاء الاصطناعي بما يكفي ستُطرد»، وتقول في اللحظة نفسها تقريباً «إن استخدمته أكثر من اللازم ستُفلس الشركة». عبارة «سيجعلك أكثر كفاءة وقدرة على إنجاز المزيد» تبدو جوفاء لمن يخشى على وظيفته، ويخشى أن تُضاعف المطالب على الباقين.
ولا يتوزّع الأثر بالتساوي. قطاعات واسعة من العمل اليدوي وأعمال الرعاية لم تتأثر أصلاً، بينما يسمع العاملون في الفن والتصميم والإعلان والتلفزيون والسينما والموسيقى وعوداً بأن الذكاء الاصطناعي «سيتولى» مجالاتهم. ما يبدو مكسباً لمن لا يملك المهارة الإبداعية يبدو كارثة اقتصادية لمن يملكها. النتيجة أن العامل يُوضَع في موقع الخصم للتقنية، وأي كفاءة تُنتزع منها تُقرأ كلعبة صفرية مع وظيفته، وأي ربح للشركة يُقرأ كربح للمليارديرات لا للأفراد. ومن هنا يمتدّ الخط: التجربة السيئة تدفع الشخص للسؤال «لماذا حدث هذا لي؟ ومن المستفيد من إدخال هذه الأداة إلى عملي أو إلى عيادة طبيبي أو من بناء مركز بيانات في حيّي؟»، والجواب يقود إلى مستثمرين يبدون غير مدركين، أو غير مهتمين، بتفاصيل حياة الناس العاديين. ثم يأتي هؤلاء أنفسهم يعرضون مركز بيانات على مدينتك.
الإنصاف حاضر في المقال أيضاً: الذكاء الاصطناعي ليس شراً خالصاً. مهندسو البرمجيات يرون أثراً حقيقياً في إنتاجيتهم، وأطباء الأشعة يستخدمونه لتحسين جودة قراءة الصور، والقائمة أطول من ذلك. المشكلة أن الفائدة غالباً تأتي مع وجه سلبي على مستوى الفرد، وأن المنافع تتراكم في المجموع بينما الأضرار تُدفع فرديّاً، فتغلب الكفة الثانية في الإدراك.
هذا يفسّر لماذا انفجر الغضب عند مراكز البيانات تحديداً، بعد أن رصدت تقارير احتجاجات في مواقع متعددة عبر الولايات المتحدة (بحسب Business Insider). ليست كل مراكز البيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكن الاثنين تلاصقا في الأذهان. والسبب الأعمق إجرائي: التنظيم الفيدرالي للذكاء الاصطناعي متروك إلى حدّ كبير، وبعض الولايات تحاول وحدها، ومعظم الناس لا يرون لممثليهم المنتخبين أي نفوذ يحميهم من آثاره. أما مراكز البيانات فتحتاج تصاريح وتنظيماً محليّاً، وهنا يمكن لشكوى مواطن واعتصام صغير أن يغيّر قرار مجلس بلدي، وهو ما يستحيل تقريباً على المستوى الفيدرالي. الاحتجاج لم يذهب إلى مراكز البيانات لأنها أسوأ ما في القصة، بل لأنها الرافعة الوحيدة المتاحة.
الحجج البيئية والاقتصادية قائمة ومستقلة عن التقنية نفسها: بنية الكهرباء في الولايات المتحدة تعني أن كلفة إنشاء محطات وخطوط نقل جديدة تُمرَّر إلى المستهلك، فأنت لا تدفع كيلوواطات المركز لكنك تدفع ثمن ما يلزم لتوليدها ونقلها، ثم يضاف استهلاك المياه وتشريد الحياة البرية والتلوّث الضوضائي. لكن أقوى ما في المقال هو المقارنة التي تنسف تفسير «البيئة وحدها»: لا توجد حركات منظّمة لمنع بناء متاجر Wal-Mart، ولا مطالبات شعبية بوقف زراعة اللوز الشره للمياه أو تربية الأبقار بأثرها البيئي الثقيل. بل إن المجتمعات قبلت طرقاً سريعة تشقّ الأحياء، ومحطات فحم، ومطارات بمسارات طيران فوق المنازل، لأنها اقتنعت بأن المنفعة تفوق الكلفة. الفرق مع مراكز البيانات ليس في حجم الضرر، بل في أن أحداً لم يُقنع الناس بالمنفعة.
وهنا نقف عند خطأين تحذّر منهما الكاتبة، ونتفق معها فيهما. الأول اعتبار أن الرفض ناتج عن جهل يُعالَج بالتوعية؛ إحصاءات الاستخدام والاستطلاعات تقول إن الناس جرّبوا فعلاً، ومن لم يجرّب رأى المحتوى الرديء على الإنترنت بلا شك. الثاني اعتبار الأثر البيئي سبباً قائماً بذاته لصعود المعارضة. الرأي التحريري لدينا أن المشكلة رخصة اجتماعية، لا رسالة تسويقية: صناعة تبيع «الكفاءة» لأصحاب رأس المال وتترك الأضرار على الأفراد ستستمر في تراكم رصيد سلبي في الأذهان، ومن هذا الرصيد تُولد قرارات ملزمة، من وقف تصاريح بلدي إلى قرار مجتمع ديبيان التصويت على حظر مساهمات الذكاء الاصطناعي التوليدي. من يبني مراكز بيانات في الخليج بشروط طاقة وتصاريح مختلفة تماماً قد يظن أن هذه المعركة أمريكية بحتة، لكن سؤال «ما الذي يحصل عليه السكان مقابل الكلفة؟» لا يعرف حدوداً جغرافية. إلى أن تجيب الصناعة عليه بأمثلة يلمسها الناس في جيوبهم ووظائفهم، لن يتغيّر الرأي العام، ولن تُقنع أي حملة علاقات عامة أحداً.
ماذا يعني للمنطقة؟
التوسع الخليجي في مراكز البيانات يجري بشروط طاقة وتصاريح مركزية تختلف عن الحالة الأمريكية، لكن سؤال ما يحصل عليه السكان مقابل الكلفة سيُطرح إقليمياً أيضاً.
المصادر
- Understanding Anti-AI Public Opinion towardsdatascience.com
- National poll shows voters like AI less than ICE. theverge.com
- Gen Z’s AI Adoption Steady, but Skepticism Climbs news.gallup.com
- Anti-AI data center protesters rally across the US businessinsider.com







