
تقرير غولدمن ساكس: مراكز الاتصال أدنى من اتجاهها بـ39% في أمريكا و33% في كندا و27% في ألمانيا، والمبتدئون الأكثر تضرراً.
ضمن ملف: نماذج الذكاء الاصطناعي، الذكاء الاصطناعي في الخليج
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
المصدر الأساسي: CNBC
لماذا يهم
الخريجون والموظفون الجدد في مراكز الاتصال والاستشارات والإعلان ونشر البرمجيات هم الشريحة الأكثر انكشافاً، لأن المهام التي كانت مدخل السلّم الوظيفي هي أول ما تؤتمته النماذج.
توظيف مراكز الاتصال في الولايات المتحدة صار أدنى بـ39% من اتجاهه التاريخي طويل الأجل، وفي كندا أدنى بـ33%، وفي ألمانيا بـ27%، (وفقاً لـ CNBC نقلاً عن تقرير غولدمن ساكس) الصادر يوم الأربعاء. هذه ليست أرقام تسريحات مباشرة، بل فجوة بين التوظيف الفعلي والمسار الذي كان يُفترض أن يسلكه القطاع لو استمر على وتيرته السابقة، وهو تمييز مهم قبل قراءة بقية الأرقام.
حلّل بنك الاستثمار الأمريكي بيانات التوظيف عبر الاقتصادات المتقدمة الكبرى وأكثر من 800 مهنة، وخلص إلى أن ضغط الذكاء الاصطناعي على سوق العمل صار مرئياً في البيانات فعلاً، لكنه ما زال محصوراً في شريحة ضيقة نسبياً من الصناعات والعمال. أبرز ما رصده التقرير:
- مراكز الاتصال هي الحالة الأوضح. ثلاثة أسواق كبرى تسجّل انحرافاً حاداً تحت الاتجاه: الولايات المتحدة 39%، كندا 33%، ألمانيا 27% (وفقاً لـ CNBC). وبحسب غولدمن، هذا النمط يظهر تحديداً حيث تتوفر أدوات قادرة فعلياً على أتمتة العمل.
- أربع صناعات تحت خط الاتجاه. إلى جانب مراكز الاتصال، تراجع التوظيف بحدة دون مساره التاريخي في نشر البرمجيات، والاستشارات الإدارية، وخدمات الإعلان، عبر الأسواق المتقدمة (وفقاً لـ CNBC). القاسم المشترك بينها أنها صناعات مكتبية قائمة على النص واللغة والتحليل.
- الوظائف الشاغرة تنمو أبطأ منذ منتصف 2022. الصناعات الأكثر انكشافاً لأتمتة الذكاء الاصطناعي شهدت نمواً أبطأ في فرص العمل المعلنة منذ النصف الثاني من 2022، والعلاقة أوضح ما تكون في ألمانيا وأستراليا والولايات المتحدة. وفي قطاع خدمات المعلومات والاتصالات تحديداً، تباطأ التوظيف في كل الاقتصادات المتقدمة تقريباً منذ 2022، لكنه ما زال قرب اتجاهه طويل الأجل أو فوقه خارج الولايات المتحدة (وفقاً لـ CNBC).
- المبتدئون يدفعون الثمن الأكبر. على مستوى سوق العمل ككل، كل 10% من انكشاف المهنة للذكاء الاصطناعي ترتبط بخصم 0.1 نقطة مئوية فقط من النمو السنوي في أعداد الموظفين في فرنسا وكندا والولايات المتحدة. أما لدى العمال في بداية مسارهم المهني فالأثر يتراوح بين أكثر من 0.6 نقطة مئوية في أستراليا وأكثر من 0.2 نقطة في الولايات المتحدة (وفقاً لـ CNBC). ورصد التقرير أثراً سلبياً إضافياً، لكنه أصغر، في المهن المصنّفة عالية الخطورة من حيث الإحلال.
- معدلات التبنّي ما زالت متواضعة. جمع غولدمن 11 استطلاعاً لقياس تبنّي الذكاء الاصطناعي عبر الدول، وقدّر المعدل في الأسواق المتقدمة الكبرى بين 15% و20%، وفي الأسواق الناشئة الكبرى بين 10% و15%. فرنسا والولايات المتحدة وهولندا والمملكة المتحدة في المقدمة، بينما إيطاليا واليابان ونيوزيلندا في الطرف الأدنى (وفقاً لـ CNBC).
ما يستحق التوقف هنا هو المفارقة: نسبة تبنٍّ لا تتجاوز خُمس الاقتصاد تنتج انحرافاً بمقدار 39% تحت الاتجاه في صناعة واحدة. هذا يعني أن الأثر ليس موزعاً بالتساوي بل مركّزاً بشكل حاد في المهام القابلة للأتمتة الكاملة، لا في القطاعات ككل. ويجب قراءة الرقم بحذر منهجي: نقطة البداية في التحليل هي النصف الثاني من 2022، وهي الفترة نفسها التي شهدت تصحيحاً كبيراً في التوظيف التقني وارتفاعاً في أسعار الفائدة، ما يجعل فصل أثر الذكاء الاصطناعي عن دورة الأعمال تمريناً في الارتباط أكثر منه إثباتاً للسببية. غولدمن نفسه لم يزعم غير ذلك.
الجزء الأكثر إزعاجاً في التقرير ليس مراكز الاتصال، بل بيانات المبتدئين. سلّم التدرّج الوظيفي التقليدي كان يبدأ بالمهام الروتينية التي يتعلم منها الموظف الجديد قبل أن يترقّى، وهي بالضبط المهام التي تلتهمها النماذج أولاً. إذا استمر الفارق بين أثر 0.1 نقطة على السوق ككل و0.6 نقطة على المبتدئين، فالمشكلة ليست بطالة واسعة بل انسداد في المدخل. من يدخل السوق اليوم يجد الدرجة الأولى من السلّم مفقودة، ومن هو في منتصفه محمي مؤقتاً.
للمقارنة، تبدو نسبة 15% إلى 20% في الأسواق المتقدمة متواضعة أمام أرقام إقليمية مثل انتشار الذكاء الاصطناعي في الإمارات عند 70.1%، لكن المقاييس مختلفة ولا تقارَن مباشرة: بعضها يقيس استخدام الأفراد وبعضها تبنّي المؤسسات. الدرس الأهم للمنطقة ليس الرقم بل الخريطة، فقطاعات مراكز الاتصال والاستشارات والإعلان تشكّل جزءاً معتبراً من الوظائف المكتبية في الخليج ومصر والأردن. إن كنت تدير فريقاً في أحد هذه المجالات، السؤال العملي ليس متى يصل الأثر، بل ما الذي يتعلمه موظفك الجديد هذا العام إن لم يعد يقضي سنته الأولى في المهام التي حلّت محلها النماذج؟
ماذا يعني للمنطقة؟
قطاعات مراكز الاتصال والاستشارات والإعلان تشكّل حصة معتبرة من الوظائف المكتبية في الخليج ومصر والأردن، ما يجعل خريطة القطاعات المتضررة أهم للمنطقة من أرقام التبنّي المعلنة محلياً.






