
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري
شركة جوجل تواجه مفارقة مؤلمة: أدوات الذكاء الاصطناعي التي طورتها لحماية المستخدمين تحولت إلى سلاح في أيدي عصابة إجرامية صينية نجحت في سرقة 1.9 مليار دولار من ضحايا حول العالم. هذه ليست مجرد قضية احتيال عادية، بل صراع وجودي حول مسؤولية عمالقة التكنولوجيا عن منع إساءة استخدام إبداعاتهم.
(وفقاً لـ TechCrunch) رفعت جوجل دعوى قضائية ضد شبكة “Outsider Enterprise” التي استطاعت خلال عامين فقط بناء إمبراطورية احتيال رقمية ضخمة. الأرقام صادمة: 9000 موقع مزيف، مليون نطاق احتيالي، 2.5 مليون رسالة نصية في أسبوعين، وسرقة بيانات 3.87 مليون بطاقة ائتمان من 95 دولة. لكن الأكثر إثارة للجدل أن العصابة استخدمت منصة Gemini من جوجل لإنشاء هذه المواقع المزيفة، واستضافت عملياتها على Google Drive وGoogle Cloud.
منصة “Outsider” تعمل كـ”دليل للاحتيال للمبتدئين” – نظام متكامل يُباع مقابل 88 دولاراً أسبوعياً أو 200 دولار شهرياً ويوفر أكثر من 290 قالب موقع جاهز يحاكي البنوك وشركات الاتصالات والمؤسسات الحكومية. ما يجعل العملية شديدة الخطورة أنها لا تتطلب خبرة تقنية متقدمة – أي شخص يمكنه شراء الاشتراك والبدء في خداع الضحايا خلال دقائق.

الجانب الأكثر جرأة في العملية أن المجرمين ينسقون أنشطتهم عبر قنوات تليجرام مفتوحة وغير مشفرة، حيث يتبادلون النصائح والاستراتيجيات بوقاحة تامة. التنظيم محكم: مطورون متخصصون في البرمجيات الخبيثة، موردو قوائم الضحايا المستخرجة من التسريبات والسجلات العامة، مجموعة “الإرسال الجماعي” التي توفر بنوك الهواتف وشرائح الاتصال، وخبراء تحويل البيانات المسروقة إلى نقد.
من ناحية أخرى، تؤكد جوجل أنها تستخدم “أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمحاربة عمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي” وتنجح في اعتراض أكثر من 10 مليارات رسالة احتيالية شهرياً. الشركة تتعاون مع شبكات الاتصال الأمريكية الكبرى AT&T وT-Mobile وVerizon لحجب الرسائل المزيفة، كما تنسق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي نجح في مصادرة عدة نطاقات ومتاجر Shopify مرتبطة بالعملية منذ يوليو 2023.
لكن هذه الإنجازات الدفاعية المثيرة للإعجاب تصطدم بحقيقة محرجة: العصابة عملت لسنوات باستخدام منصات جوجل نفسها. كيف يمكن لشركة تعترض مليارات الرسائل الاحتيالية شهرياً أن تفشل في منع استخدام أدواتها لإنشاء أكبر عملية احتيال بالذكاء الاصطناعي في التاريخ؟ هذا التناقض يكشف الثغرة الأساسية في استراتيجيات الحماية الحالية.
الدعوى القضائية تتهم المجرمين بانتحال هوية جوجل وعلاماتها التجارية، انتهاك حقوق الطبع والنشر، أنشطة الابتزاز، الاحتيال الإلكتروني، والإعلان الكاذب. جوجل تطالب بتعويضات مالية ومعاقبة وأمر قضائي لوقف الأنشطة الإجرامية. لكن هوية المجرمين الحقيقية ما زالت مجهولة، مما يجعل تنفيذ أي حكم قضائي تحدياً هائلاً.
القضية تطرح سؤالاً جوهرياً حول نموذج الأعمال الحالي لشركات التكنولوجيا: هل يكفي الاعتماد على أدوات الكشف التفاعلية، أم أن الوقت حان لفرض قيود استباقية أكثر صرامة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟ نعم، قد يؤدي ذلك إلى إبطاء الابتكار، لكن عندما تصبح هذه الأدوات سلاحاً يُستخدم لسرقة مليارات الدولارات من الأبرياء، ألا يستحق الأمر إعادة تقييم الأولويات؟
موجز ترى أن هذه القضية تمثل نقطة تحول حاسمة. النصر القانوني وحده لن يحل المشكلة طالما ظلت الأدوات متاحة بسهولة للاستغلال الإجرامي. نحتاج إلى إعادة تصميم جذرية لآليات التحقق من الهوية والمراقبة في منصات الذكاء الاصطناعي، حتى لو تطلب ذلك التضحية ببعض سهولة الاستخدام. الثمن الحالي – مليارات مسروقة وثقة مُحطمة – أصبح أكبر من أن نتحمله.







