
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
أربعة وعشرون شهراً فصلت بين سهم يُتداول بـ83 دولاراً وآخر يُغلق عند 1,048 دولاراً — هذا هو مسار Micron Technology منذ مطلع 2024 حتى اليوم، وهو مسار لا يمكن فهمه بمعزل عن أزمة عالمية باتت تُلقي بظلالها على كل شيء من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى سعر هاتفك القادم.
أعلنت الشركة الأمريكية المتخصصة في شرائح الذاكرة عن نتائج الربع الثالث بعد إغلاق الأسواق الأربعاء، فإذا بالأرقام تتجاوز كل التوقعات وتدفع السهم للارتفاع أكثر من 13% في جلسة ما بعد الإغلاق (وفقاً لـ TechCrunch). الإيرادات تضاعفت أربع مرات لتبلغ 41.45 مليار دولار مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، فيما قفز صافي الربح من 1.88 مليار إلى 28.2 مليار دولار في قفزة نادراً ما يشهدها قطاع أشباه الموصلات (وفقاً لتقرير الشركة). والأهم أن الإدارة أعطت المستثمرين توقعاً إيجابياً للربع الرابع بإيرادات تتراوح بين 49 و51 مليار دولار.
هذه النتائج ليست مجرد انعكاس لأداء شركة واحدة؛ هي مرآة لأزمة بنيوية تضرب سوق شرائح الذاكرة منذ انفجار الطلب على الذكاء الاصطناعي. تتوقع IDC أن يستمر هذا الشح حتى عام 2027 على الأقل، فيما يُضغط الطلب المتسارع من نماذج اللغة الكبيرة والبنية التحتية للاستدلال على الإمدادات المتاحة ويرفع الأسعار تصاعدياً. الظاهرة وصلت إلى حد دفع رئيس Apple تيم كوك — قبل أسبوع واحد فقط — إلى التحذير من أن رفع أسعار منتجاته بات أمراً لا مفر منه. ما كان يُعدّ مشكلة قطاع B2B تحوّل إلى ضغط يشعر به المستهلك في جيبه.
الشركة مقرها ولاية آيداهو، وتحمل الآن قيمة سوقية تبلغ 1.2 تريليون دولار — ارتفاعاً من نحو 91 مليار دولار في مطلع 2024 (وفقاً لـ TechCrunch) — وهو ما يجعلها أكبر صانع أمريكي لشرائح الذاكرة بلا منازع. لكن الأرقام المالية الفلكية لم تكن الخبر الوحيد هذا الأسبوع؛ فقد أعلنت Micron في الوقت ذاته عن اتفاقية استراتيجية لتوريد شرائح الذاكرة والتخزين لمختبر Anthropic، وكشفت أنها شاركت في جولة تمويل Series H للشركة دون الإفصاح عن حجم استثمارها. الصفقة تقرأ بوضوح: Micron لا تكتفي بكونها مورداً سلبياً لموجة الذكاء الاصطناعي، بل تضع نفسها شريكاً استراتيجياً في بنيتها التحتية.
المفارقة الجديرة بالتأمل أن الشركة ذاتها كانت ضحية دورة تراجع حادة قبل أقل من عامين، حين تراجعت أسعار شرائح الذاكرة عالمياً وضغطت على هوامشها. اليوم تجد نفسها في الموقع المعاكس تماماً: الشح هو أفضل صديق لمن يملك الطاقة الإنتاجية. والسؤال الذي لا تجيب عنه النتائج المبهجة هو: كيف سيتصرف السوق حين يبدأ الإمداد بالتعافي؟ تاريخياً، دورات شرائح الذاكرة وحشية في كلا الاتجاهين، وما يرفع السهم 13% في ليلة واحدة قادر على إعادته بنفس السرعة حين تتغير المعادلة.
في المشهد الراهن، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة الفائزين والخاسرين في صناعة الأشباه الموصلات بطريقة لم يتوقعها كثيرون منذ ثلاث سنوات فقط. Micron كانت في الهامش، واليوم صارت في المركز.







