
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري

خمسون ألف وظيفة اختفت بسبب الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025 وحده (وفقاً لـ Mashable)، وهذا الرقم ليس ذروة الأزمة بل مجرد مقدمتها. هذا ما تقوله مجموعة من أبرز الاقتصاديين في العالم الذين أطلقوا، الاثنين الماضي، مبادرة We Must Act Now برسالة مفتوحة تحذّر من “تحوّل الذكاء الاصطناعي للاقتصاد العالمي” وتطالب بتدخل عاجل قبل أن يتحول التحوّل إلى انهيار.
الرسالة وقّعها أكثر من 200 اقتصادي، بينهم ستة عشر حائزاً على جائزة نوبل، وشخصيات من داخل المنظومة التقنية ذاتها: المؤسس المشارك لـ Anthropic جاك كلارك، والرئيس التنفيذي السابق لـ Google إريك شميت، وكبيرا الاقتصاديين في OpenAI وAnthropic. المفارقة اللافتة أن بعض أبرز الموقّعين ينتمون إلى الشركات التي تقود هذا التحوّل بالأصل، مما يمنح الرسالة ثقلاً خاصاً يصعب تجاهله.
الرسالة لا تدعو إلى وقف التطوير، بل تضع الإصبع على جرح محدد: “قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة تفوق بكثير فهمنا للتداعيات الاقتصادية”، كما قال الاقتصادي إريك برينيولفسون الذي نظّم المجموعة إلى جانب زملائه أجاي أغراوال وتوم كننغهام وأنطون كورينيك. وتذهب الرسالة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُحدث “تحولاً اقتصادياً غير مسبوق، أكبر من الثورة الصناعية، لكنه يتكشّف في إطار زمني أقصر بكثير”.
الأرقام على الأرض تدعم هذا القلق. خلال عام 2026، أعلنت شركات Amazon وAtlassian وBlock وFiverr وMeta وPinterest وSnap جميعها عن تسريح موظفين مرتبط صراحةً بالذكاء الاصطناعي (وفقاً لـ Mashable). وفي مايو 2026، كشف استطلاع شمل 12,000 مدير تنفيذي أن 99% منهم يتوقعون أن يُفضي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص في أعداد الموظفين خلال السنتين المقبلتين (وفقاً لـ Mashable). هذه ليست مخاوف أكاديمية — إنها خطط تشغيلية فعلية.
ثمة من بدأ يتحرك فعلاً على مستوى السياسات. حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم أطلق الشهر الماضي “مؤشر البطالة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي” (California’s AI-Unemployment Tracker) لرصد الخسائر الوظيفية في الولاية، وجاء ذلك بعد أن سرّحت Meta وحدها 8,000 موظف مستندةً إلى استراتيجيتها في الذكاء الاصطناعي. لكن الاقتصاديين الموقّعين يرون أن هذا الجهد، رغم أهميته، لا يزال قاصراً عن حجم التحدي.
المطلب الجوهري في الرسالة ليس رفاهية فكرية: “على الاقتصاديين وصانعي السياسات وقادة التكنولوجيا التحرك الآن لفهم اقتصاديات الذكاء الاصطناعي التحويلي، وبناء الحوافز والضمانات والمؤسسات اللازمة لتوجيهه نحو تكامل مع الإنسان لا إحلاله”. الصياغة واضحة: المسألة ليست إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل سوق العمل، بل كيف نُدار هذا التشكيل لصالح الأغلبية لا النخبة.
السؤال الذي تتجنبه الرسالة المفتوحة — ربما عن قصد — هو التناقض الجوهري في توقيعها: كيف يمكن لكبير اقتصاديي OpenAI أو المؤسس المشارك لـ Anthropic أن يطالب بـ”ضمانات” فيما شركاتهم تضخّ مليارات الدولارات في التسريع نفسه الذي يحذّرون منه؟ هذا التناقض لا يُلغي أهمية الرسالة، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت النداءات العامة مجرد تأمين معنوي في مواجهة موجة يستفيد موقّعوها منها في الوقت ذاته. ما يعطي الرسالة قيمتها الحقيقية ليس التحذير بحد ذاته — بل أن أصحاب المصلحة أنفسهم صاروا يعترفون علناً بأن السرعة الراهنة لا تُدار بمفردها.







