
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
ثمانية وثمانون ألف وظيفة من أصل 156,975 وظيفة تقنية أُزيلت عالمياً في النصف الأول من 2026 — أي ما يعادل 82% منها — صدرت من شركات أمريكية، (وفقاً لتقرير TradingPlatforms، شركة أبحاث بريطانية اعتمدت بيانات من TrueUp.io وLayoffs.fyi وTechCrunch وملفات WARN الأمريكية الرسمية). والرقم الأشد لفتاً للانتباه أن ما يقارب نصف هذه التسريحات جاء مرتبطاً تحديداً بإعادة هيكلة الشركات حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لا بضائقة مالية كلاسيكية.
قطاع الحوسبة السحابية والبرمجيات كخدمة (SaaS) تصدّر قائمة أعلى القطاعات تسريحاً على مستوى العالم، (وفقاً للتقرير ذاته)، مع Oracle وMicrosoft وSalesforce في المقدمة. وجاء قطاع التجارة الإلكترونية والأسواق الرقمية ثانياً، وكان من أبرز المتضررين Amazon وeBay. أما جغرافياً داخل الولايات المتحدة، فكاليفورنيا في صدارة الولايات الأكثر تسريحاً، تليها تكساس، ثم واشنطن، فنيوجيرسي.
الأرقام التفصيلية لبعض الشركات الكبرى تكشف حجم التحوّل الفعلي. Oracle (أعلنت) أنها قلّصت قوتها العاملة بمقدار 21,000 موظف خلال العام الماضي لإعادة توجيه الاستثمار نحو الذكاء الاصطناعي. Meta (أقدمت) على تسريح نحو 8,000 موظف في مايو، مع إعادة توزيع آلاف آخرين في أدوار تركّز على الذكاء الاصطناعي. Microsoft (أعلنت في السادس من يوليو) عن قطع 4,800 وظيفة فوراً، منها 1,600 في قسم Xbox للألعاب، مع مواصلة ضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي. Cloudflare بدورها أنهت عقود نحو 1,100 موظف، حين أعلن رئيسها التنفيذي Matthew Prince أن الشركة تتهيأ لـ”حقبة الذكاء الاصطناعي الوكيل”. وإلى جانب هذه الأسماء، تبرز في قائمة التسريحات شركات كـBlock وCisco وPayPal بوصفها روّاد في موجة إعادة الهيكلة حول الأتمتة.
ستانيسلافا سافيشيفا، المحللة في TradingPlatforms، تضع الأمر في سياقه الأوسع: شركات التقنية هي الأسرع في تبنّي أدوات جديدة، وبالتالي الأولى في الشعور بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى. وكما تكتب: “تبحث كل شركة تقنية كبرى حالياً عن سبل للعمل بفرق أصغر، وأتمتة أعلى للعمليات، وهياكل تكلفة أكثر كفاءة — والذكاء الاصطناعي يُسرّع تحولاً كان قائماً أصلاً.” (وفقاً لـ The Deep View).
لكن هل الرهان مضمون؟ هنا تكمن المعضلة الحقيقية. فورد — وهي ليست شركة تقنية بالمعنى الكلاسيكي لكنها تُعدّ نموذجاً كاشفاً — وجدت نفسها تعيد توظيف أكثر من 350 مهندساً من المحترفين المخضرمين، بعضهم موظفون سابقون، بعد أن ثبت أن أنظمة الجودة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم تستطع العمل باستقلالية تامة. والأمر لا يقتصر على فورد؛ فكثير من الشركات لا تزال عاجزة عن إثبات عوائد ملموسة على المليارات التي تضخّها في الذكاء الاصطناعي. وحين يضغط المستثمرون ومجالس الإدارة على المديرين التنفيذيين لتبرير هذه الاستثمارات، يغدو إعلان التسريحات خطوةً أسهل بكثير من تحمّل تبعاتها لاحقاً.
بيانات PwC تضيف بُعداً مهماً إلى هذا المشهد: الشركات التي تجني أعلى عائد من الذكاء الاصطناعي هي في الغالب تلك التي تستخدمه لتعزيز قدرات موظفيها، لا لاستبدالهم. (وفقاً لـ The Deep View). وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل تُقدم هذه الشركات على هدم رأس مالها البشري بيد، بينما تبني بنيتها التقنية باليد الأخرى؟
المرحلة القادمة — بحسب سافيشيفا — لن تكون مجرد إحلال للبشر بالآلات، بل “تغيير جوهري في طريقة بناء الفرق، وتوزيع العمل، وقياس الإنتاجية في اقتصاد يحركه الذكاء الاصطناعي.” هذه الفرضية منطقية نظرياً، غير أن الفجوة بين الإعلان عن تسريحات اليوم وإثبات العوائد غداً لا تزال أوسع مما تريد هذه الشركات الاعتراف به.







