
بقلم: نور | محررة الأبحاث والدراسات · صوت تحريري بإشراف بشري
نصف الأمريكيين يلجؤون اليوم إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على مشورة مالية، (وفقاً لبيانات J.D. Power) — لكن هل هذه النصيحة تستحق الثقة فعلاً؟ وهل يستفيد منها الجميع بالتساوي؟ هذا بالضبط ما أراد طه شوخمان، الأستاذ المساعد في تمويل MIT Sloan، قياسه في ورقة بحثية جديدة حائزة على جائزة Swiss Finance Institute Outstanding Paper Award 2026، شارك فيها باحثون من MIT Sloan وStanford GSB.
المنهجية كانت دقيقة: بنى الفريق نموذجاً محاكياً لمسارات الدخل والتوظيف والاستثمار والضرائب على مدى العمر، وطلبوا من 1,000 شخص كتابة طلباتهم الخاصة للحصول على نصائح إنفاق واستثمار من نماذج GPT-5.2 وGPT-5.6 وGemini 3 Flash، ثم محاكاة ما سيحدث لو اتبع أشخاص تتراوح أعمارهم بين 22 و89 عاماً تلك النصائح طوال حياتهم. وبعد ذلك، كرّروا التجربة باستخدام طلبات أكاديمية منظّمة تتضمن معلومات مالية كاملة وافتراضات بيئية واضحة.
النتيجة الكبرى: اتّباع توصيات الذكاء الاصطناعي يمكنه فعلاً بناء وسادة ادخارية معتبرة لكل من هو فوق الثلاثين. (وفقاً لـ MIT Sloan) وكان الذكاء الاصطناعي متّسقاً في توجيهاته: الادخار في سنوات العمل، وسحب المدخرات في التقاعد، والاستثمار بكثافة في صناديق الأسهم المتنوعة، وتقليص التعرض للأسهم بعد سن الخامسة والأربعين.
لكن الصورة لم تكن مثالية. فاجأ الباحثين أن LLMs تعثّرت أمام الصدمات كالبطالة، وأنها تركت المحافظ تنجرف دون إعادة توازن فعّالة. وعندما تعرّض شخص لخسارة وظيفته، أشار الذكاء الاصطناعي إلى خفض الإنفاق بحدّة أكثر مما يجب، حتى حين كان لديه مدخرات كافية.
إليك أبرز ما كشفت عنه الدراسة في خمسة محاور رئيسية:
- جودة النصيحة أفضل مما توقّع الباحثون: سواء كانت الطلبات من مستخدمين عاديين أو أكاديميين، وجّه الذكاء الاصطناعي الناس نحو ادخار أعلى ومشاركة أوسع في سوق الأسهم وتوزيع مناسب للمخاطر حسب العمر. يقول شوخمان: “فاجأنا مستوى الجودة، خاصةً حين قرأنا نوع الأسئلة التي طرحها المستخدمون — لم يكن مضموناً أن تنسجم التوصيات مع مبادئ التمويل الأكاديمية.” (وفقاً لـ MIT Sloan)
- الفجوة الجندية تعني 50,000 دولار بحلول الستين: اكتشف الباحثون أن LLMs تُوصي بتخصيص أسهم أعلى للرجال والأكثر ثقافةً مالياً. على مدار الحياة، تراكمت هذه الفوارق لتُفضي إلى ثروة أقل بنحو 50,000 دولار (4%) عند عمر الستين للنساء وأقل اطّلاعاً مالياً. نحو ثلثي هذه الفجوة الجندية مردّها إلى اختلاف طريقة صياغة الأسئلة: النساء يستخدمن كلمات كـ”عائلة” و”بقالة” و”دفع”، بينما يميل الرجال إلى “استراتيجية” و”كريبتو” و”نمو”. أما الثلث المتبقي فينشأ من تغيير النموذج توصياته عند معرفته بجنس السائل — حتى حين يكون السؤال ذاته متطابقاً. (وفقاً للورقة البحثية)
- المستخدمون الجدد على الذكاء الاصطناعي يخسرون قرابة 100,000 دولار: أوصى الذكاء الاصطناعي بمعدلات ادخار أدنى لمن لم يسبق لهم استخدام الذكاء الاصطناعي في الشؤون المالية، ما أفضى إلى ثروة أقل بـ100,000 دولار (6%) عند سن الستين مقارنةً بمن اكتسبوا خبرة سابقة مع هذه الأدوات. (وفقاً لـ MIT Sloan)
- الطلب الأكاديمي المُنظَّم يرفع جودة النصيحة بوضوح: الطلب العادي قد يكون: “أين أستثمر بدءاً من 50 دولاراً وبإضافة 25 دولاراً شهرياً؟” أما الطلب الأكاديمي فيُخبر النموذج بالعمر وحالة التوظيف والدخل والمدخرات والافتراضات الاقتصادية وقوانين الضرائب الأمريكية الحالية ونظام الضمان الاجتماعي. النتيجة: أداء أفضل في التوصيات وتقليص ملحوظ للإجابات المبنية على قواعد عامة مبسّطة. الإشكالية أن المستخدم العادي لا يكتب بأسلوب أستاذ تمويل، كما يقول شوخمان صراحةً. (وفقاً لـ MIT Sloan)
- الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خارطة اكتشاف المنتجات المالية: وجد الباحثون أن LLMs كثيراً ما توصي بأنواع حسابات ومنتجات مالية ومزودين لم يذكرهم المستخدم أصلاً. على سبيل المثال، ظهرت منتجات Vanguard في 6% من إجابات الذكاء الاصطناعي، وiShares في 3.4%، رغم أن أقل من 0.4% من الطلبات أشارت إليهما. هذا يعني أن اكتساب عملاء جدد بات يعتمد بشكل متزايد على كيفية وصف النموذج للمنتج، لا على التسويق التقليدي أو الظهور في نتائج البحث. (وفقاً للورقة البحثية)
هذا يطرح السؤال الأصعب: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي المالي يُفيد تحديداً من يحتاجه أكثر؟ يرى شوخمان أن الأشخاص الأقل ثقافةً مالية والأقل خبرةً في صياغة الطلبات هم من يستطيع الذكاء الاصطناعي نظرياً مساعدتهم أكثر — لكنهم يحصلون واقعياً على النصيحة الأدنى جودةً. هذه المفارقة ليست تفصيلاً هامشياً؛ إنها تحدٍّ جوهري أمام كل من يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي قادر على ديمقراطية الخدمات المالية.
التوصية العملية التي يقترحها الباحثون بسيطة لكنها ذكية: استخدم الذكاء الاصطناعي أولاً لفهم مفاهيم التمويل الشخصي، لا لاتباع توصياته مباشرةً. وإن كنت تعمل مع مستشار مالي بشري تلتقيه مرتين في السنة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون الجسر الذي يترجم نصائحه إلى قرارات يومية. أما لمن لا يملك الموارد للوصول إلى مستشار بشري — وهؤلاء هم الغالبية ممن يحتاجون المشورة المالية — فالذكاء الاصطناعي بديل حقيقي وليس مجرد اختصار.
غياب معايير واضحة لكيفية تكيّف النصيحة مع الفروق الديموغرافية يبقى الحائلَ الأكبر أمام تطوّر هذا المجال. قد لا يكون كل تباين في التوصيات تحيّزاً مرفوضاً — فالاختلاف في متوسط الأعمار ومخاطر الدخل بين الجنسين حقيقي ومشروع. لكن ما لم تُصرَّح به المعايير صراحةً وتُعلَن للمستخدمين، سيظل الذكاء الاصطناعي المالي أداةً تعمل بشكل أفضل لمن يعرفون كيف يسألون — وهذا بالضبط ما تسعى الدراسة لتغييره.







