
بقلم: سارة | محررة نماذج الذكاء الاصطناعي · صوت تحريري بإشراف بشري

في أبريل الماضي، أعلنت أنثروبيك أنها بنت نموذجاً للذكاء الاصطناعي يُدعى Mythos يُشكّل خطراً محتملاً على الأمن السيبراني، ثم أصدرت نسخة أكثر أماناً باسم Fable. بعد أيام قليلة، فرضت الحكومة الأمريكية قيود تصدير على النموذجَين. وفي غضون ساعات، سحبت أنثروبيك الوصول إليهما كلياً. القصة بدت وكأنها نموذج للتنسيق المسؤول بين شركة ذكاء اصطناعي وحكومتها — لكن التفاصيل تحكي شيئاً أكثر إثارة للقلق.
المفارقة الجوهرية هنا أن هذا التدخل الحكومي لم يأتِ استجابةً لنموذج قادر على توليد أسلحة بيولوجية أو ذكاء اصطناعي خارج عن السيطرة، بل جاء على نموذج تكويد. المشككون في مخاطر الذكاء الاصطناعي طالما تخيّلوا سيناريوهات كارثية تستدعي تدخلاً حكومياً حاسماً — لكن ما جرى يبدو أقرب إلى ردّ فعل ارتجالي منه إلى سياسة مدروسة. حين تكون الأداة التنظيمية الأولى المتاحة هي قانون صادرات الأسلحة، لا إطار تشريعي مصمم خصيصاً للذكاء الاصطناعي، فإن التداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من أنثروبيك وحدها.
ثمة ثلاثة خيوط ينبغي تتبعها في هذا المشهد. الأول يتعلق بمنطق التصنيف الحكومي نفسه: ما المعيار الذي جعل Mythos يستدعي قيود تصدير؟ إذا كان الجواب هو القدرة على توليد أكواد برمجية ضارة، فإن النطاق المحتمل للتنظيم يصبح واسعاً بشكل يصعب إدارته، إذ تمتلك عشرات النماذج الموجودة حالياً قدرات مماثلة. الثاني هو سرعة استجابة أنثروبيك: سحب الوصول في غضون ساعات يُظهر شركة تختار التوافق على التحدي، لكنه يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان هذا الامتثال السريع يخدم السلامة الفعلية أم يخدم العلاقة مع واشنطن أولاً. الثالث هو الغياب اللافت لإطار سياسي واضح: ردّ الفعل هذا يكشف أن الحكومة الأمريكية لا تملك بعد آلية منهجية للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية التي تقع في منطقة رمادية بين الأداة المدنية والأصل الاستراتيجي.
في موازاة هذا الجدل، تبرز قصة مختلفة لكنها متشابكة معه: آلة ASML التي تكلف 400 مليون دولار وتزن أكثر من 150 طناً وتعادل حجم حافلة ذات طابقين — وهي العمود الفقري الذي يجعل كل هذا الذكاء الاصطناعي ممكناً أصلاً. (وفقاً لـ MIT Technology Review). تسيطر ASML على ما يقارب 90% من أدوات طباعة الرقائق الليثوغرافية في العالم (وفقاً لـ MIT Technology Review)، وتعتمد تقنيتها على الضوء فوق البنفسجي القصير القصير (EUV) — إشعاع خارج الطيف المرئي يُنتَج بإطلاق ليزر على قطرات صغيرة من القصدير المنصهر عشرات الآلاف من المرات في الثانية. هذا الاحتكار الفعلي يُزعزع حكومات ومنافسين على حدٍّ سواء، في الوقت الذي تجعل فيه متطلبات رقائق عصر الذكاء الاصطناعي هذه الهيمنة أكثر حساسية من أي وقت مضى.
المشهد الأوسع الذي تتقاطع فيه قصة أنثروبيك وقصة ASML هو مشهد حوكمة الذكاء الاصطناعي في مرحلة انتقالية حرجة. “إذا كان الذكاء الاصطناعي سيساعد في بناء مستقبل أفضل، فيجب أن يكون صادقاً بشأن تكاليفه الراهنة” — هذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أسبوع العمل المناخي في لندن، مطالباً شركات الذكاء الاصطناعي بالشفافية بشأن تكاليفها البيئية.
ما يجعل قضية Mythos/Fable مقلقة بحق ليس فرض القيود في حد ذاته، بل غياب أي مبدأ موجِّه واضح وراءه. حين يكون التنظيم ارتجالياً، فإنه يخلق نمطاً مرجعياً خاطئاً: الشركات لا تعرف ماذا تبني أو ماذا تتجنب، والمنافسون الدوليون الذين لا يخضعون لهذه القيود يكتسبون ميزة تراكمية، والنقاش العام حول السلامة يتحوّل إلى ضوضاء بدلاً من أن يُنتج معايير. هذا سيناريو يجعل فريقَي “الدوميرز” والمتشككين في خطر الذكاء الاصطناعي متوحدَين — وإن لأسباب مختلفة — في استياءٍ واحد من غياب الإطار.
تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة: هل ستُطوّر الحكومة الأمريكية أدوات تنظيمية مصمَّمة للذكاء الاصطناعي تحديداً، أم ستستمر في تكييف تشريعات قائمة لم تُكتب لهذا الغرض؟ وهل ستختار شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى المزيد من الشفافية الاستباقية حول قدرات نماذجها، أم أن الامتثال السريع وغير المُفسَّر — كما فعلت أنثروبيك — سيبقى الاستجابة الافتراضية؟ الجواب على هذين السؤالين سيحدد ما إذا كانت قصة Mythos حادثة معزولة، أم بداية نمط تنظيمي يصعب التراجع عنه لاحقاً.







