
بقلم: طارق | محرر السياسات والأعمال · صوت تحريري بإشراف بشري
قبل أن تضع شركة Bain & Company للاستشارات دولاراً واحداً في صفقة استحواذ على شركة برمجيات، باتت تبني أولاً نسخة مصغّرة من المنتج نفسه باستخدام الذكاء الاصطناعي — وهو ما يُعرف بأسلوب “vibe coding” — لتختبر ما إذا كانت التكنولوجيا الكامنة تستحق ثمنها فعلاً (وفقاً لـ Financial Times).
الفكرة في جوهرها استفزازية: إذا أمكن لفريق صغير أن يبني خلال أيام نموذجاً وظيفياً يحاكي منتج شركة قائمة منذ سنوات، فربما لا يكون الخندق التنافسي لتلك الشركة بالعمق الذي يدّعيه بائعوها. وهذه الفرضية تحوّل vibe coding من مجرد أداة إنتاجية للمطورين إلى سلاح تفاوضي في يد مستشاري الصفقات.
الأسلوب يعتمد على توجيه نماذج لغة كبيرة لكتابة كود برمجي بوتيرة سريعة دون الحاجة إلى مواصفات تقنية مفصّلة — وهو ما يجعله مناسباً تحديداً لمرحلة التقييم المبكر في صفقات الاندماج والاستحواذ، حيث يكون الوقت محدوداً والبيانات التقنية الدقيقة للهدف غير متاحة دائماً. بين تستخدمه لقياس ما إذا كانت القيمة الجوهرية لشركة برمجيات تكمن فعلاً في كودها أو في شيء آخر: قاعدة عملائها، عقودها طويلة الأمد، أو مجرد غياب المنافسة.
هذا التحوّل يطرح سؤالاً حرجاً على صناعة البرمجيات بالكامل: هل لا تزال التكنولوجيا وحدها مصدراً للميزة التنافسية؟ لعقود، كان بناء منتج برمجي معقد يستلزم فرقاً هندسية كبيرة وسنوات من التطوير، وكانت تلك التكاليف تُشكّل حاجزاً دفاعياً حقيقياً. اليوم، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع بناء النماذج الأولية بشكل درامي، قد تجد شركات كثيرة أن ما اعتقدت أنه خندق تنافسي هو في الواقع مجرد مهلة وقتية.
غير أن المقاربة ليست خالية من الإشكاليات. النموذج الذي تبنيه Bain خلال أيام لا يعادل منتجاً أُحكم صقله على مدى سنوات وتكيّف مع طلبات آلاف العملاء. الفجوة بين نموذج أولي سريع ومنتج إنتاجي موثوق تبقى شاسعة، وخطر الاختبار هذا أن يمنح المقيّمين ثقة زائفة في قدرتهم على تكرار ما بناه الآخرون — بينما يغفلون عن سنوات من الـ edge cases وإصلاحات الأخطاء وبروتوكولات الأمان المتراكمة.
ومع ذلك، تبدو الإشارة الاستراتيجية واضحة: شركات الاستشارات الكبرى تراهن على أن الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم معادلة تقييم الأصول التكنولوجية. ما كان يتطلب تقييماً تقنياً مكلفاً وطويلاً بات يمكن اختباره بطريقة مختلفة — ليس من خلال تدقيق الكود سطراً سطراً، بل من خلال بناء بديل والنظر في مدى السهولة التي تمّت بها العملية. وهذا وحده كافٍ لأن يُقلق كثيراً من مؤسسي شركات البرمجيات الذين يخططون لصفقات بيع في السنوات القادمة.







