
بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري
حين تُعلن شركة بحجم أوراكل أن الذكاء الاصطناعي أسهم مباشرةً في خفض قوتها العاملة، فهي لا تُبلّغ عن تحوّل عرضي، بل تُوثّق نمطاً يتكرر عبر المشهد التقني بأسره. في وثيقة مقدَّمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية الاثنين الماضي، كشفت الشركة أنها باتت توظّف 141,000 موظف بدوام كامل، بعد أن كان العدد 162,000 في السنة المالية الماضية (وفقاً لـ Ars Technica). انخفاض نسبته 12.9 بالمئة في عام واحد.
الوثيقة الرسمية لم تدُر حول الأمر، إذ جاء فيها صراحةً: “إن اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي ونشرها عبر عملياتنا أدّى، وقد يستمر في الأداء، إلى تقليص قوتنا العاملة.” لكن القصة أعمق من مجرد أتمتة وظائف بشرية: أوراكل تتخلص من موظفين لتموّل ديناً ضخماً تراكَم من أجل بناء البنية التحتية التي ستستضيف الذكاء الاصطناعي نفسه، في حلقة تعيد رسم العلاقة بين الشركات التقنية وكوادرها البشرية.
الأرقام المالية تكشف حجم الرهان. أوراكل تخطط لجمع 45 إلى 50 مليار دولار خلال عام 2026 لتوسعة بنيتها التحتية السحابية Oracle Cloud Infrastructure، في حين يبلغ إجمالي ديونها حالياً ما يتجاوز 120 مليار دولار (وفقاً لـ Ars Technica). نحو نصف التمويل الجديد سيأتي عبر الاستدانة، وما تبقى عبر حقوق الملكية. عملاء هذه البنية يشملون OpenAI وxAI وAMD وNvidia وMeta. وفي فبراير الماضي، أقدم حاملو السندات على مقاضاة الشركة بتهمة إخفاء حجم الديون المطلوبة لتمويل هذه التوسعة، وفقاً لرويترز.
تكاليف إعادة الهيكلة ترسم صورة بالغة الحدة: أنفقت أوراكل 1.8 مليار دولار على تكاليف إعادة الهيكلة في سنتها المالية المنتهية، ارتفاعاً بنسبة 481 بالمئة مقارنةً بـ374 مليون دولار في السنة السابقة (وفقاً لـ Ars Technica). المحللون يربطون هذه التخفيضات بمشكلة بنيوية أوضح: في مارس الماضي، لفتت باركليز إلى أن أوراكل تُحقق ربحاً أقل لكل موظف مقارنةً بمنافسيها، وهو ما يجعل تخفيض الرواتب الإجمالية ورقة ضغط مباشرة على التدفق النقدي.
المفارقة الحادة أن أوراكل نفسها توثّق المخاطر: أقرّت في وثيقتها الرسمية بأن تسريح الموظفين قد يُفضي إلى “انخفاض الإنتاجية” و”شحّ الموظفين ذوي المهارات اللازمة في أدوار بعينها، وخسارة المعرفة المؤسسية القيّمة، والإضرار بالروح المعنوية واستبقاء الكوادر.” شركة تُقرّ بالأضرار وتمضي قدماً مع ذلك — وهذا يعكس مدى الضغط الذي تشعر به في سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
المشهد الأوسع لا يقل وطأةً. وفقاً لتقرير صادر في مايو 2026 عن شركة Challenger, Gray & Christmas المتخصصة في إعادة التوظيف، “بات الذكاء الاصطناعي السبب الرئيسي الذي تستشهد به الشركات لتبرير تسريح موظفيها، والقطاع الأول المُشير إليه هو التكنولوجيا” (وفقاً لـ Ars Technica). وسجّل القطاع التقني أعنف موجات تسريح منذ مطلع 2023، حتى مع كونه القطاع الأعلى في نوايا التوظيف الجديد. في الفترة بين 2023 و2025، جرى الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي في إعلانات تسريح بلغت 71,825 وظيفة (وفقاً لـ Ars Technica).
قلق المستثمرين يتمحور حول نقطة هشة أخرى: اعتماد أوراكل على OpenAI بوصفها عميلاً رئيسياً، وهي شركة لم تحقق الربحية بعد وتُبلّغ عن خسائر بمليارات الدولارات سنوياً. إذا تعثّرت OpenAI أو خفّفت توسعها، ينعكس ذلك مباشرةً على حسابات أوراكل. في المقابل، تقول أوراكل في بيان لـCNBC: “مع نمو أعمالنا في السحابة والذكاء الاصطناعي، سنوازن مواردنا باستمرار ونُعيد هيكلة مجموعة التطوير لضمان وجود الأشخاص المناسبين لتقديم أفضل منتجات السحابة والذكاء الاصطناعي.”
ما يجري في أوراكل يكشف التناقض الجوهري في موجة الذكاء الاصطناعي الحالية: الشركات التي تبني أدوات المستقبل تُقلّص بشراً لتموّل ديناً، ثم تراهن على أن عملاءها غير المربحين سيصبحون مربحين بسرعة كافية لسداد هذا الدين. هل نحن أمام استثمار عقلاني في بنية تحتية لا مناص منها، أم أمام دوامة من الرهانات المتشابكة التي لا يمكن لأيٍّ منها أن تفشل؟ الجواب ربما يظهر قبل أن تنتهي السنة المالية القادمة لأوراكل.






