تُحدَّث يومياً

مصدرُك العربي
لمستقبل الذكاء الاصطناعي

أخبار، تقارير، أدوات وتحليلات يومية — كل ما تحتاجه لمتابعة ثورة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية

✅ تم الاشتراك!
أخبار الذكاء الاصطناعي

طوب ذكي من Sakana AI يصنّف الأشكال ثلاثية الأبعاد دون تحكم مركزي

بقلم: ليلى | محررة أدوات المطورين · صوت تحريري بإشراف بشري

مئات من المكعبات البلاستيكية الصغيرة، كل منها يحمل دارة إلكترونية ومعالجاً دقيقاً ومصباح LED، تتشابك معاً لتشكّل طائرة أو كرسياً أو قارباً أو جيتاراً — ثم تتفق من تلقاء نفسها على اسم الشكل الذي تكوّنه، دون أن يعلم أي مكعب منفرد أين يقع، ودون أن تتلقى الجموع أي أمر من مركز. هذه ليست استعارة فلسفية عن الذكاء الجماعي، بل تجربة فيزيائية نشرتها Sakana AI اليوم في دورية Nature Communications بالتعاون مع جامعة IT University of Copenhagen وشركة Autodesk.

الفكرة تنبع من علم الأحياء مباشرةً. عندما تتضاعف خلايا السلمندر لإعادة بناء ذيل مقطوع، أو حين تنشئ كائنات بدائية كالهيدرا والبلاناريا بنيتها الكاملة من أي قطعة متبقية، لا يوجد “دماغ مركزي” يوزع المهام. يتواصل كل عضو فقط مع جيرانه المباشرين، ومن هذا التواصل المحلي البسيط يبزغ وعي هيكلي كامل. المكعبات الذكية هي نقل مباشر لهذا المبدأ إلى عالم المادة الصلبة.

الخوارزمية المستخدمة مبنية على إطار Neural Cellular Automata (NCA)، وهو تطوير لفكرة المؤلفات الخلوية الكلاسيكية التي كانت تعتمد قواعد محددة يدوياً. هنا تتعلم الشبكة العصبية هذه القواعد تلقائياً عبر التفاضل وحساب التدرجات، وتعمل بحالات خلوية ذات قيم مستمرة بدلاً من المنفصلة. كل مكعب يستقبل معلومات من جيرانه المتصلين به فيزيائياً ومن حالته الداخلية المخزنة، ثم يحدّث تمثيله الخاص، وهكذا دواليك في دورات متكررة حتى يتقارب الكل على تصنيف موحد. النموذج مدرّب على سبع فئات: طائرة، كرسي، سيارة، طاولة، منزل، جيتار، وقارب.

النتائج التجريبية واضحة: (وفقاً للورقة المنشورة في Nature Communications) في البيئة المحاكاة مع أكثر من 500 مكعب، وصل النظام إلى دقة 98.97%. حين نُقل النموذج المدرَّب في المحاكاة مباشرة إلى العتاد الفيزيائي دون أي إعادة تدريب، نجح في تصنيف أربعة أشكال مختلفة — طائرة تضم 26 مكعباً في أصغرها (جيتار)، وطاولة مستديرة مؤلفة من 197 مكعباً — بمعدل نجاح 100%. وفي كل الحالات يصل النظام إلى إجماع في أقل من 60 دورة تحديث، ما يعادل نحو ثلاث دقائق فعلية.

اختبرت الأبحاث كذلك متانة النظام أمام الأعطال. عند تعطيل 5% من المكعبات بحيث لا ترسل ولا تستقبل، حافظت معظم الأشكال على دقتها. الطائرة والقارب أظهرا تدهوراً طفيفاً حتى عند نسبة عطل 15%. الاستثناء كان الجيتار، إذ يكفي أن يُعطَّل مكعب واحد في منطقة العنق الضيقة لقطع التواصل بين النصفين وإرباك التصنيف الكامل — وهو نقطة ضعف بنيوية مفهومة لأن شكله يعتمد على ممر اتصال وحيد لا بديل له. أثبت النظام أيضاً قدرة على التعميم خارج أمثلة التدريب: طاولة بخمسة أرجل قصيرة في مواضع عشوائية، وقارب ببرج مزاح عن المركز، كلاهما صُنِّف صحيحاً. في المقابل، نسخة مصغّرة من الطاولة بعدد أقل من المكعبات خُولطت مع الكرسي، لأن انكماش الحجم يضغط الإشارات البنيوية التي يعتمد عليها النموذج.

الجانب الأكثر إدهاشاً من الناحية النظرية هو ما يجري داخل القنوات المخفية للشبكة. حين حلّل الباحثون أنماط التنشيط الداخلية، وجدوا أن النظام يطور تلقائياً تدرجات تشبه بالضبط المورفوجينات البيولوجية: جزيئات قابلة للانتشار تشكّل محاور التطور الجنيني. في المراحل الأولى من التشغيل، تنشأ أنماط يميناً-يساراً وأخرى شعاعية تشبه المحاور التطورية للأجنة. وهذا يفسّر الفرق في التعرف على الطاولة مقابل الكرسي: يقرأ النظام كلاً منهما أولاً على أنه طائرة (بسبب التشابه البنيوي في الألواح الأفقية)، لكن الكرسي ينشئ لاحقاً تدرجاً أمامياً-خلفياً يشبه محور الرأس-الذيل، يتمشّى من ظهر الكرسي إلى الأمام حتى يعيد تصنيف الكل صحيحاً.

تمتد قدرات النظام إلى ما هو أبعد من التصنيف المجرد. بتدريب المكعبات على مهمة مزدوجة — التصنيف بالتوازي مع رصد الأضرار المحلية — احتفظ النظام بدقة تصنيف 98.9% (وفقاً للورقة) مع اكتشاف مواضع العطل بدقة 94.8% في المتوسط. التدريب استخدم أشكالاً تالفة اصطناعياً بآفات كروية ومكعبية. والأهم من ذلك أن قدرة الكشف هذه تفتح طريقاً للتعافي الذاتي: انطلاقاً من عنقود صغير من المكعبات، يمكن تكرار دورات رصد الأضرار وإضافة مكعبات جديدة في الاتجاه الذي تشير إليه الخلايا الحالية، حتى يختفي الخطأ. بهذه الطريقة أعاد النظام بناء أشكالاً متعددة الفئات دون أي تدريب مسبق على سيناريو “النمو من البداية”.

في المحاكاة، اختُبر التوسع عبر شبكات من 15×15×15 إلى 32×32×32 وصولاً إلى 64×64×64 مكعباً، أي ما يزيد على 18,000 وحدة بأشكال ذات تجاويف داخلية وتعقيدات هندسية غير مسبوقة في النسخة المادية. النتيجة أن المتانة تتطلب قدرة نموذجية أكبر مع الحجم، لكن العلاقة متوقعة وقابلة للإدارة — وهو مؤشر واعد للقياس المستقبلي.

هذا البحث ليس منفصلاً عن مسيرة Sakana في الذكاء الاصطناعي الجماعي، بل امتداد مادي لها. الشركة سبق أن استكشفت كيف تتعاون نماذج اللغة الكبيرة معاً في التفكير المشترك والبناء على محاولات بعضها، وكيف تعمل نماذج متعددة كوحدة واحدة متكاملة. الجديد الآن هو نقل المبدأ من البرنامج إلى الفيزياء — والتحقق من أن اللامركزية تصمد حين تصبح الضوضاء حقيقية والأعطال مادية لا افتراضية. يمكن الاطلاع على الكود المفتوح في مستودع GitHub.

Sakana AI Blog

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى